|
|
|
ربما هم كثيرون الذين لم يعرفوا جيداً من هو المطران هيلاريون كبوجي عندما سمعوا بأنه من بين الذين كانوا على متن سفينة الأخوة التي انطلقت من لبنان الى فلسطين وهدفها كسر الحصار على غزة ، فقد مضى على مقاومة هذا المطران المناضل قرابة اربعين عاماً نشأ خلالها ثلاثة او اربعة أجيال عربية لا تجد من يعتني بمقتنيات ذاكرتها جيدا او يدرسها القضية الفلسطينية بكل تفصيلاتها ورجالاتها الأحياء منهم والشهداء.
ولكن هناك الكثيرون ممن عاصروا القضية واكتووا بنار نكباتها ونكساتها يعرفون بشكل جيد من هو مطران القدس كبوجي الذي كان رمزاً من رموز مقاومة المحتل الصهيوني ثم تحول بعد محاكمته وابعاده الى رمز من رموز المقاومة في المنفى. فقد وقف هذا الرجل العربي العتيق وقفة بطولة وتضحية وصمود في وجه الاحتلال منذ دخل المحتل الصهيوني بجيشه الى رحاب القدس الشريف فتصدى لمحاولات تهويد المدينة وتفريغها من سكانها العرب ، وقاوم كل مخططات سلطة الاحتلال الرامية الي تهويد المدينة المقدسة وتشويه معالمها التاريخية ، وعندما عجزت سلطات الاحتلال عن مساومته وثنيه عن مواقفه الوطنية عمدت الى اعتقاله عام 1974 ومحاكمته حيث حكمت عليه بالسجن اثني عشر عاماً بعد تعذيب وتهديد بالتصفية الجسدية ، ونتيجة حملة تضامنية واسعة مع هذا المطران الشجاع ، وضغوط من الفاتيكان عمدت سلطة الاحتلال البغيض الى الافراج عنه شريطة ان يتم نفيه وان لا يعود للاقامة في فلسطين وحتى في المنطقة العربية بأسرها حيث تم تعيينه مطرانا في العاصمة الكاثوليكية روما ، عرضوا عليه ان يصبح مطراناً للبرازيل او لأية دولة في اميركا الجنوبية يختارها ، ولكنه رفض وأصر على الاحتفاظ بلقب مطران القدس التي ظل يدافع عنها بالكلمة والموقف في كل المحافل والمنتديات ، ويدعم صمود الأهل فيها بكل ما يستطيع ، وهو القائل: «انني الان في المنفى ولو كنت في عاصمة الكاثوليكية روما ، فاذا تركت وطني زرعت روحي في القدس على أمل العودة كما تزرع حبة الحنطة لتبقى حية «لا تموت» انني أعيش ألم الغربة والاستعداد لأمل العودة الى وطني الأكبر.. الوطن العربي ، ومنه الى وطني الأصغر فلسطين وعاصمتها القدس الشريف». وها هو المطران كبوجي كأي مواطن عربي فلسطيني يعيش على حلم العودة قد صعد على متن «سفينة الأخوة» اللبنانية ليحقق حلمه بالدخول الى غزة الصمود والتحدي والعزة عله يتنشق في هوائها رائحة القدس.. الا ان القرصنة الاسرائيلية كانت له ولرفاقه بالمرصاد ، فاعتقلته برفقة عضو تجمع العلماء المسلمين في لبنان الشيخ صلاح الدين العلايلي وعصبت عينيه حتى لا يرى شيئا من فلسطين وأخضعته للاعتقال والتحقيق في ميناء اسدود بعد ان اغتالت حلمه بالعودة وبعد ان أحبطت مساعيه ومساعي رفاقه من أحرار لبنان لنصرة ونجدة الأهل المنكوبين في غزة الذين هم في أمس الحاجة الى من يقف معهم من الاخوة والأشقاء العرب. وللرأي العام العالمي ان يتصور معنا موقف ومنظر رجل دين مسيحي وهو ينظر الى مجموعة من الجنود الاسرائيليين المسلحين وهم ينهالون بالضرب والركل على ركاب السفينة المتضامنة وطاقمها الاعلامي ويحتجزون خمسين طنا من المواد الغذائية والادوية لمنعها من الوصول الى اطفال غزة وجرحاها المحتاجين لوحدة دم او حبة دواء قد تنقذ حياتهم. وليصروا بلا انسانيتهم المعهودة اعادة السفينة ومن عليها من حيث أتت ، وهذا الأمر المنافي لكل الحقوق والأعراف الانسانية ليس غريباً على سلطة احتلال شنت على غزة أفظع وأبشع حرب عرفها التاريخ المعاصر. فمن أحرق ودمر سيارات الاسعاف وترك جرحي عدوانه ينزفون حتى الموت هل يمكن ان يسمح لسفينة امداد عربي ان تصل الى جرحى عدوانه على غزة والى من دمر منازلهم وتركهم في العراء للبرد والجوع ولغارات وحشية محتملة؟، هكذا قطع الصهاينة المحتلون على المطران كبوجي حلمه بالعودة وحاصروا أمله بقوة السلاح وأضاعوا عليه فرصة معانقة أهله الصامدين المجاهدين في غزة هاشم والوقوف الى جانبهم وقفة عز ودعم واسناد ، وعلى الرغم من هذا وذاك فان الاحباط والشعور بفقدان الأمل لم يتسلل الى قلب المطران وروحه ، واما بقي مصراً على العودة الى وطنه مؤملاً في الرجوع اليه وواثقاً من النصر واقامة الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس الشريف ، فعند وصوله الى القنيطرة المحررة قال وهو الرمز العتيق للمقاومة والتصدي والصمود: «لقد تعرضنا لمعاملة همجية من قبل العدو الاسرائيلي ولكن هذه الأساليب القمعية لن تثني شعب فلسطين عن مواصلة نضاله من أجل الوصول الى حقوقه المشروعة حيث لا استسلام ولا مهادنة مع الاحتلال مهما طال الزمن وبهظ الثمن لأن مطلبنا مطلب حق. وفي نهاية تصريحه لوسائل الاعلام خاطب كبوجي أهل غزة الذين لم يتمكن من الوصول اليهم قائلا لهم بروح عالية وثقة كبيرة بيوم التحرر والخلاص: «كنا سنسعد أكثر بلقائكم ، ولكننا معكم قلبا وفكراً ، ولا بد لهذا الليل ان ينجلي ولا بد لهذا القيد أن ينكسر ، ولا بد ان نجتمع كراماً أعزاء في وطننا فلسطين». تحية لهذا المطران الأبي المقاوم على الدوام ولكل الأحرار الذين رافقوه على متن سفينة الأخوة اللبنانية معرضين أنفسهم للقرصنة الاسرائيلية ، وجزاهم الله عن شعب غزة كل خير فالأعمال الخيرة بالنيات ولكل امرىء مؤمن حر ما نوى. |













