لايسار ولا يمين بل صهيونية سادة.. \\رحم الله فضل شرورو الذي رحل أخيرا بعد جهاد طويل بالفكر والقلم وبزمالة إخوانه في السلاح

لا يسـار ولا يميـن بـل صهيونيـة سـادة

فضل شرورو
منذ نهايات 2008، وتحديدا منذ تشرين الأول/ اكتوبر 2008، وهذه القراءة تحاول القول للجميع ان طروحات التسويات السياسية، في مجملها وفي عدم جديتها ومماطلاتها وتسويفها… إنما هي طروحات سرابية ليس من الحكمة المراهنة عليها، إذ ليس من الفطنة المراهنة على وهم. ومثل ذلك، كانت هذه «القراءة» تؤكد ان الجسم الفلسطيني، بالرغم من بعض المظاهر، لا يشكو من علة الانفصام او الانقسام، بل هو جسم سليم معافى، يضج بالصحة و… المقاومة. لكن مرض الانفصام او الانقسام اصاب «الرأس» الفلسطيني، خاصة اولئك الذين زينت لهم بعض الدوائر، والاتصالات او العلاقات، ان صانع الحروب يمكن ان يكون في حالة ما، صانع تسويات، غير مدركين ان الطبع غلب التطبع، وان من شبّ على شيء شاب عليه. وجورج بوش، السيئ الصيت، خُلق صانع حروب، ولا يمكنه إلا أن يستمر هكذا حتى اللحظات الأخيرة من ولايته. وحين كان يركب طائرة الرئاسة، لآخر مرة، مغادراً البيت الأبيض الى مزرعته في تكساس، أطلق القذائف الصهيونية ـ الأميركية الصنع، لتسقط على أطفالنا وعلى الآمنين في غزة والقطاع. فهذا صانع حروب، ولا يجوز، بأي حال، الارتهان الى رؤياه التي دمرت أقطارا، وجلبت الويلات على الشعوب، ثم انقلب سحره عليه، فأفقر بلده حيث ما زلنا في أول طريق الكارثة الاقتصادية التي ستصيب كل فرد أميركي، في منزله او في وظيفته، او في تجارته، او في رفاهه.
ذكرنا، ذلك كله، ليس من موقع التشاوف الذي يحلو للواحد في كل مرة ان يذكّر بما قاله، وانه كان على الصواب، وليس من موقع الشامت الذي يســفّه رأي الآخر ويشمت بما أصابه من فشل، او خلل او بُعد عن الواقع… بــل من موقع الحريص على كل الاتجاهات والاجتهادات، حتى تلــك التي على النقيض، لأن في الاجتهاد تفاعلا وتلاقحا فكريين… ويمكن ان يؤدي مصلحة ما دام ليس تعبيرا عن الفرض او المكابرة او الالتحاق بالعدو، لا سمح الله.
شاءت بعض الوقائع ان تؤيد توجهنا هذا. وفي قمة غزة حين طرح موات ما سمي «المبادرة العربية»، لم يكن اولئك الذين طرحوا هذا القول من «الحربجية» بل كانوا الأكثر براغماتية. وفي قمة الكويت، حين كان خادم الحرمين في أوج صفاء طرحه التصالحي، لم يجد دليلا على صدقيته الا إعلانه ان المبادرة العربية لن تكون طويلا على الطاولة. كل ذلك في حسابات الكر والفر التي تستخدم في المواقف السياسية التي تتجمع لدى أصحابها معلومات او مؤشرات تدل على أن بعض الطروحات انتهت صلاحيتها، وان البدء او التمهيد لإخلاء مواقع تتبنى هذه الطروحات قد أزف، وأن على المرء ان يُخرج نفسه… وجماهيره مما التزم به، فثمة ظروف او متغيرات ضاغطة او مكلفة او لا فكاك منها.
أما وقد أثبتت المقاومة في غير موقعة وفي غير زمان، أنها قادرة على الصمود، بل قادرة، في ما لو تحقق لها الاحتضان والمؤازرة، على الانتصار، فقد صار من غير المجدي الارتهان الى ما قدمه زمن الضعف او المتغيرات الضاغطة او التي لا فكاك منها.
الآن… نحن والمنطقة امام متغير جديد قد يمتد الى مدة ولاية الكنيست الصهيوني التي تصادف نفس عمر ولاية الرئيس الأميركي الجديد باراك حسين أوباما، وعلى النقيض من طروحاته الانتخابية بالنسبة لاهتمامه بتسوية ما في الشرق الأوسط، لكنها تتماهى مع صمته المشبوه طوال مدة العدوان على غزة الذي شارف لحظة أدائه القسم المرتبك المعاد في اليوم التالي الذي صادف أيضا انسحاب او إعادة انتشار القوات الصهيونية الغازية لغزة هاشم. نحن والمنطقة والقمة العربية وجامعة الدول العربية والرباعية والمبعوث الرئاسي الاميركي جورج ميتشل والسيدة الأولى سابقا هيلاري كلينتون وزيرة خارجية الرئيس أوباما والجنرال دايتون، جميعا امام متغير جديد كليا، أقله ظاهريا للمشهد الصهيوني وللتركيبة الحاكمة التي ستدير الأمور، من هنا ولأربع سنوات قادمة، ما لم يحصل او يظهر للبعض فساد له جلجلة مدوية تدعو الى انتخابات مبكرة، لأن «تساوي» الفوز يعني، كما أفادت التجربة السابقة بين بيريز وشامير، الحرص على الاستمرار.
أفرزت انتخابات الكنيست الصهيوني الجديد، التي سيطلق عليها اسم انتخابات 2009 أن اليمين الصهيوني، في أكثر تجليات عنصريته قد «ربح» المعركة الانتخابية، وأن الجميع على اتفاق بأن لا يسار ولا يمين داخل هذا المجتمع، بل صهيونية سادة او صهيونية من العيار الثقيل. والذي ربح هو هؤلاء: الصهيونية العنصرية التي تتراوح نظرتها للعرب ككل بين الكراهية المطلقة والرغبة في القتل والابادة.
قد «يمزح» أحدهم ويقول ان أكبر التسويات في المنطقة تمت على يدي أكبر يميني متطرف هو مناحيم بيغن، او يمزح آخر ليقول ان الشعارات الانتخابية هي غيرها عند ممارسة الحكم، وان نتنياهو وليبرمان سيجدان نفسيهما وسط محيط آخر غير الحشود الانتخابية، وأنهما مجبران على التعاطي العملي مع سياسة أوباما والرباعية وما إلى ذلك. الى هؤلاء نسوق ان نتنياهو استقال من منصبه كوزير مالية في حكومة شارون رفضا للانسحاب القسري من غزة والقطاع، وأنه عارض ذلك بقوة في العام 2005، وأن نتنياهو قد يكون أول من اخترع قضية «الوطن البديل» للفلسطينيين في الأردن. أما ليبرمان فحدّث ولا حرج، فقد بنى كل مجده على إعلان كراهيته للفلسطينيين و«احتقاره» للعرب، وتصريحاته ماثلة في الأذهان والمحفوظات.
([) توفي في دمشق في 13/2/2009


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر