فرنسا تبقى من آخر الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة، التي تصر على الامتناع عن الاعتذار للشعوب التي احتلّتها في القرنين التاسع عشر والعشرين. فلقد انتزع الليبيون تعويضات من إيطاليا عن الفترة الاستعمارية التي دامت 32 عاما، والتعويضات تتجاوز من الناحية المعنوية الاعتراف والاعتذار بكثير، غير أن ذلك لم يدفع المسؤولين الفرنسيين حتى الآن إلى مراجعة اللغة التي يتحدثون بها عن استعمار الجزائر وما صاحبه من جرائم ضد البشرية.
فقد حلت في هذا الشهر الذكرى 49 للتجارب النووية التي قامت بها فرنسا في الصحراء الجزائرية فهل فكرنا عمليا بمنطق الدولة الحرة التي تحاسب المجرم عن جرائمه مهما تقادمت الأحداث؟ فأين حق الجزائريين الذين قامت فرنسا الاستعمارية برهن مستقبلهم بعد تجاربها النووية الخطيرة؟ وتسود دائما سياسات تضليلية وإعلام مقصود من قبل الدول الكبرى عندما يتعلق الأمر بمدى الأضرار والأخطار المترتبة عن التلوث الإشعاعي الناتج عن التجارب النووية أو عن دفن النفايات النووية في بعض المناطق من العالم.
ويزداد التضليل كلما تعلق الأمر بمصير فئات كبيرة من سكان البلدان المنكوبة التي وضعتها سياسة الاحتقار للإنسان وجهًا لوجه مع الموت والمرض والتلوث، ويكفي أن نعرف أنه بعد تسع وأربعين سنة لا يزال أهل رقان ومثلث الموت الذي يزيد على 1000كلم2 الذي يتعرض للإشعاع، يعانون من أثار التجارب بظهور غرائب الأمراض التي لم يسمع عنها الأهالي قبل قدوم فرنسا.
إن التجارب والدراسات والأبحاث الفلكية والجيولوجية التي هيأت لها فرنسا في الصحراء كانت كلُّها تصب في خانة المنافسة العالمية من أجل امتلاك « قوة الردع» وفرض سيطرتها في أوروبا وإفريقيا ومراقبة هذه المنطقة والالتحاق بركب أمريكا والاتحاد السوفيتي في إنجازاتها الفضائية والإستراتيجية نظرًا لما يحتويه هذا البعد من قوة لفرنسا وتعويض عقدة جيش فرنسا المنهزم عسكريًّا أثناء حروبها في أوروبا والهند الصينية والجزائر.
وتسير فرنسا اليوم باتجاه تكوين جيل جديد من الباحثين والمؤرخين يكون بإمكانهم إعادة كتابة تاريخ الحقبة الاستعمارية بما يضمن استمرار تلك الصورة المشرقة والمزيفة التي تحرص عليها فرنسا الرسمية اليوم، طريق استدراك ما فاتنا.
وقانون 23 فبراير 2005 يهدف، ضمن أشياء أخرى، إلى إعادة ربط الأجيال الصاعدة بالماضي الاستعماري باعتباره مفخرة لفرنسا وهذا ما تبغي فرنسا تحقيقه من خلال المطالبة بإدراجه في المقررات المدرسية. ورغم أن باريس ألغت البند الرابع من القانون الذي ينص على تمجيد الاستعمار، إلا أنها لا تزال تحمل شعار «عدم الشعور بالذنب تجاه الماضي»، وهي إشارة من السلطات إلى أنها غير مستعدة لتحمل نتائج وأفعال ارتكبها الفرنسيون في الجزائر إبان الفترة الاستعمارية.
وتوجد فرنسا حقيقة بعد المبادرة الإيطالية، في مأزق حقيقي اليوم أمام أنظار البلدان التي احتلتها في الماضي، وخاصة الجزائر. ومكمن التخوف الفرنسي أنه إذا كان ما دفعته إيطاليا إلى ليبيا يشَكل تعويضا عن 32 سنة من الاحتلال، فإن مدة الاحتلال الفرنسي للجزائر هو 132 سنة.
وهذا يعني أن التعويضات التي يفترض أن تمنحها باريس للجزائر ستكون باهظةً جِدا، ومن ناحية ثانية، ستكون أي خطوة فرنسية في هذا الاتجاه بمثابة فتح الباب مُشرعا أمام مطالب من بلدان أخرى، مثل الكونغو التي احتلتها فرنسا لمدة ثمانين عاما، ومطالب الدول الإفريقية التي تطالب بالتعويض عن العبودية!
«رجان» الجزائرية تبوح بأسرارها النووية
في صباح الثالث عشر من فبراير 1960 أعطى الجنرال شارل ديغول رئيس فرنسا إشارة تفجير أول قنبلة نووية فرنسية بصحراء «رجان» الواقعة جنوب غرب الجزائر باسم «اليربوع الأزرق». الحدث كان كبيرا بالنسبة لفرنسا لرفع معنويات شعبها والظهور على المسرح الدولي كقوة بعدما أوقعها ثوار الجزائر في وحل لم تستطع الخروج منه منذ ست سنوات.
ووصفت الصحافة الفرنسية ذلك الإنجاز بأنه «تاريخي سمح لفرنسا بالوصول إلى قمة التكنولوجيا العسكرية» على حد ما جاء في «لوجرنال دالجي» أكبر صحف فرنسا الصادرة بأكبر مستعمراتها الجزائر. ووصف محللون سياسيون كثيرون الذي تحقق بـ «نصر سياسي وسيكولوجي». وكانت السلطات العسكرية الفرنسية قد وفرت جميع الشروط التي تسمح بنجاح أول تجاربها النووية وأحاطت المشروع بجدار من الكتمان، جعل الإعلان عن التجربة مفاجأة حتى لحلفائها وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأميركية.
المجال الذري
أقام مهندسو المشروع «القرية الذرية» التي ولدت فيها القنبلة وفجرت بها داخل مجال سموه «المنطقة الخضراء» مساحته 90 ألف كيلو متر وحولها مساحة 5,1 مليون كيلو أي ما يعادل مساحة فرنسا ثلاث مرات تشكل المجال الذري أو منطقة أمنية كما كانوا يسمونها.
وشرح الرياضي والفيزيائي إيف روكارد (1903 ـ 1992) وهو من أهم مصممي البرنامج النووي الفرنسي المجال الذري بالقول: «إذا اعتبرنا مركز الانفجار هو النقطة (صفر) فنجده يبعد عن مدينتي الجزائر وتونس بـ 1600 كلم وعن الدار البيضاء بالمغرب بـ 1200 كلم وعن القاهرة بـ 3200 كلم وعن عاصمتي السنغال وليبيريا دكار ومنروفيا بـ 2200 كلم و2600 كلم على التوالي.
وأقرب التجمعات العمرانية إلى مركز الانفجار هي مدينة أدرار الجزائرية وتقع على 150 كلم فقط. وقبل إعطاء إشارة التفجير بست ساعات أصدرت السلطات الفرنسية قرارا احترازيا بتعليق مرور الطائرات فوق كامل المجال الذري.
وكانت قبل يوم واحد فقط قد أمرت المسؤولين في مطار أورلي باتخاذ الإجراءات اللازمة لتغيير مسار الطائرات القادمة من إفريقيا إلى مسارات أخرى تقع شرق وغرب مجال التفجير بـ 500 كلم، دون أن تخبرهم عن السبب الحقيقي لهذا القرار واكتفت بالقول «تفادياً لأي خطر مفاجئ» وهو تبرير اعتاد عليه المسؤولون الفرنسيون في كل المستويات خلال لهيب ثورة الجزائر.
جزائريون للتجربة
نشرت الصحف الفرنسية الصادرة بفرنسا والجزائر غداة التفجير مئات من التقارير والمقالات والتعليقات والأحاديث الصحافية مع أخصائيين عسكريين ومدنيين أجمعت كلها على أن التجربة ناجحة على كل الأصعدة وأكدت أن السلطات اتخذت الإجراءات الأمنية بلا أخطاء لكي لا تتسرب الإشعاعات الذرية ولكي لا يشكل الغبار الناتج عن الانفجار خطرا على السكان خاصة في المناطق الصحراوية القريبة من موقع العملية. لكن مع الأيام تبين بأن تلك التصريحات والتحليلات لم تكن إلا خدعة وحملة تضليلية للرأي العام الجزائري والفرنسي والعالمي.
فقد أكد ضابط فرنسي متقاعد كان على صلة بالبرنامج النووي، في حديث خص به صحيفة سويسرية بعد نحو ثلاثين عاما من الواقعة أن المشرفين على المشروع أحضروا 150 سجينا جزائريا إلى موقع التفجير لتعريضهم للإشعاعات إلى جانب حيوانات عديدة فئرانا وأسودا وحيوانات من بيئات مختلفة وعرضوهم للإشعاعات بغرض الدراسة.
ويروي من عاشوا ذلك اليوم المشهود بأن الانفجار شكل بعد ثوان قليلة نجمة حمراء مركزها برتقالي اللون انطلقت نحو السماء في شكل كرة نارية عملاقة وصل ارتفاعها حسب بيار كوتر رئيس محافظة الطاقة الذرية إلى نحو ثلاثة آلاف متر. بعدها نفثت سحابة بيضاء كثيفة حجبت السماء قبل أن تتلاشى وتأخذها الرياح بعيدا. وحسب الشهود فإن دوي الانفجار لم يسمع إلا بعد نحو 45 ثانية من الانفجار.
ومع أن السلطات الفرنسية تحفظت على تقديم معلومات وقتها عن قوة القنبلة، فإن الأخبار التي تسربت تشير إلى أن قوتها 70 كيلو طن. أي ما يعادل ثلاثة قنابل بقوة تلك التي ألقتها الولايات المتحدة الأميركية على هيروشيما اليابانية في أغسطس 1945. وبعد سنوات تبين أن الفرنسيين فجروا سرا عددا آخر من القنابل على التراب الجزائري من بينها واحدة باطنية بقوة 20 كيلو طن أحدثت زلزالا وصل مداه إلى مئات الكيلومترات.
فرنسا قوة عظمى
أعطى الفرنسيون بعدا كبيرا لنجاح أولى تجاربهم النووية، وعملوا على استغلال ذلك النجاح سياسيا وإعلاميا كونهم دخلوا عهدا جديدا من التطور التكنولوجي في وقت كانت فيه الحرب الباردة بين الشرق والغرب على أشدها، وكانت الحرب الساخنة بينها والمقاتلين الجزائريين قد دفعت بها إلى مشارف الإفلاس السياسي والاقتصادي. وغداة التفجير قال الجنرال شارل ديغول «إن فرنسا أصبحت بعد هذه التجربة أعظم قوة وأكثر اعتزازا، وهي اليوم أكثر استعدادا للدفاع عن مصالحها ومصالح الغرب» وتبع التصريح مئات من الكتابات الصحافية المختلفة.
أما الجنرال بوشالي وهو واحد من النواة التي أسست للبرنامج النووي الفرنسي وأحد من صنعوا القنبلة وأشرفوا على عملية التفجير فقال للصحافيين في اليوم الموالي لتاريخ التفجير «أشعر بما يشعر به أب رزق مولودا بصحة جيدة تزينه ألوان جميلة».
وأكد باحث عسكري آخر بأن صناعة القنبلة بين التفكير فيها والتنفيذ إلى غاية يوم التفجير مشروع طويل وشاق دام خمس سنوات. وقد انطلق البرنامج في مارس عام 1955 بعد خمسة أشهر من إطلاق جبهة التحرير الجزائرية حرب الاستقلال، وعملت مجموعة من الخبراء وعلماء الذرة في سرية كبيرة، ثم أعيد تأسيس البرنامج عام 1958 باسم «مديرية التطبيقات العسكرية» وكان على رأس المشروع عالم ألماني الأصل اسمه بيرتراند جولد شميث وهو أول من حضّر الميلغرامات الأولى من البلوتونيوم وساعده على إقامة المشروع أربعة خبراء فرنسيين آخرون هم: بيار ترانجييه وفرانسيس بيران والجنرال بوشالي وبيار كوتيير.
عزيمة الثوار
بعد ساعات من إعلان ديغول «فرنسا قوة عظمى» ردت قيادة الثورة الجزائرية ببيان وصفت فيه التجربة النووية بالهروب من واقع الهزائم التي لحقت الجيش الفرنسي في ميدان المعركة. ووجهت كلاما مباشرا للفرنسيين من بين ما فيه «هذا السلاح الجديد لن يفيدكم في شيء وسترحلون قريبا من الجزائر مهزومين». كما أثار الحدث ردود فعل مستنكرة ومنتقدة في كل العالم. فأعرب البيت الأبيض عن «الأسف الشديد لما قامت به فرنسا في وقت تتزايد فيه المساعي لنزع السلاح في العالم».
وفند سيناتور ولاية واشنطن كلينتون أندرسن رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ الأميركي الأخبار التي روجتها الصحافة الفرنسية والتي تشير إلى أن الولايات المتحدة وفرنسا اتفقتا على إقامة تعاون في المجال النووي الموجه للأغراض العسكرية.
أما نيكتا خروتشوف رئيس الاتحاد السوفييتي فقد تأسف لكنه استصغر قوة فرنسا واستبعد أن تؤثر التجربة على محادثات جنيف الجارية بين بلاده والولايات المتحدة لنزع السلاح. ووجهت حكومة قبرص احتجاجا رسميا لفرنسا عقب الآثار السلبية التي تركتها التجربة على البيئة في الجزيرة حيث زادت الإشعاعات في الأجواء بشكل خطير بعد عملية التفجير.
وسجل العداد «جيجر» إشعاعات في سماء قبرص بلغت 600 وحدة رويتجن يوم التفجير ثم 800 وحدة في اليوم الموالي بعدما كانت قبل يومين بحدود 300 وحدة فقط. وشجبت الصحف الأميركية الحادث واعتبرته خطرا على الإنسانية. أما الثوار الجزائريون فاعتبروا التجربة هروبا من واقع جديد فرضته الثورة الجزائرية يتمثل في الهزائم التي يمنى بها الجيش الفرنسي في أرض المعركة يوميا على أيدي جنود جيش التحرير الوطني.
وجاء في بيان وزعته قيادة الثورة غداة التفجير «إن التجربة النووية هي محاولة من سلطات الاحتلال لرفع معنويات جيش يعيش حالة الخوف من ضربات المجاهدين في كل حين»، وندد بيان جبهة التحرير الوطني التي تقود الثورة منذ اندلاعها في الفاتح من نوفمبر 1954 بعملية «تفجير قنبلة نووية فرنسية على أرض الغير» واعتبرتها جريمة من الجرائم الكثيرة التي ارتكبتها فرنسا الاستعمارية بالجزائر.
وأكد البيان أن «هذا السلاح الجديد لن يفيد الفرنسيين في شيء في حربهم مع الجزائريين». وبالفعل فمع أن الفرنسيين واصلوا تجاربهم النووية السطحية والباطنية بصحراء الجزائر وأنتجوا عددا كبيرا من القنابل لكنهم انهزموا ولم يمض عامان ونصف العام على عن ذلك الحدث حتى رحل آخر جندي من مجموع مليون ومئتي ألف جندي فرنسي كانوا يقاتلون في الجزائر. والآن يخوض آلاف من ضحايا تلك التفجيرات حرباً أخرى للحصول على حقوقهم، بعدما تبين الإشعاعات كانت وراء ارتفاع معدل الإعاقات عند الولادة ست مرات عن باقي مناطق الجزائر.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي














