يفهمون الإسلام أفضل منّا ؟

حسين الرواشدة

 

«… المسلمون في امريكا اكثر انفتاحا وتمسكا بالدين مقارنة باخوانهم في الدول العربية والاسلامية» ، هذه احدى النتائج التي انتهى اليها الاستطلاع الاخير الذي اجرته هيئة «غالوب» ونشرته وكالة اسوشيتدبرس ، حيث اكد نحو %77 من الشباب المسلمين الذين استطلعت اراؤهم بان «الدين مهم جدا» فيما بينت الدراسة ان %40 من النساء في امريكا يشهدن صلاة الجمعة في المسجد مقابل %42 من الرجال ، بينما لا تتجاوز هذه النسبة النصف في معظم الدول الاسلامية.
الاستطلاع كشف - ايضا - عن تفوق المسلمين الامريكيين على غيرهم في معظم دول العالم ، ومنها الدول الاسلامية ، فبينما تبلغ نسبة المسلمين المتفوقين في بريطانيا 8% فقط ، وفي فرنسا %23 وفي اندونيسيا والباكستان %11 وفي مصر %13 وفي لبنان والاردن وتركيا %20 فانها تصل في امريكا الى 41%.
المسلمون في امريكا بحسب الدراسة هم اكثر مجموعة دينية متنوعة عرقيا: %35 من السود ، و28% من البيض و18% اسيويين و18% من جنسيات اخرى و1% من اصل لاتيني ويتحدثون الاسبانية ، وهم حسب التقسيم السياسي: %49 ديمقراطيون و8% جمهوريون و37% مستقلون ، ويوجد بين المسلمين هناك اكثر النساء «تحررا» في العالم واعلى نسبة شباب من اي اقلية دينية في البلد ، و59% من النساء المسلمات عاملات ، وهي نسبة تفوق المذاهب والاديان الاخرى ، كما ان مسلمي امريكا يتطلعون الى حياة ايجابية اكثر من نظرائهم في معظم الدول الاسلامية وبعض المجتمعات الغربية ، وهم ايضا اكثر حيوية وثقافة من الامريكي العادي ، واكثر رضا وقناعة بحياتهم ايضا.
تبدو هذه النتائج - بغض النظر عن امكانية توظيفها واستخدامها - مدهشة جدا ، فهي تمثل - من جانب - ردا علميا وعقلانيا على الدعوات التي نسمعها - وما اكثرها - عن «رداءة» العقل الاسلامي وتخلفه ، وعن اعتبار «الاسلام» سببا في تخلف ابنائه ، كما انها تهدف تماما نظرية «غسل اليدين» من امكانية اية نهضة للامة ، تلك التي قامت على اساس ان الخلل الذي يمنع المسلمين من التقدم يكمن في ذاتهم وفي عقيدتهم لا في الدور الذي تلعبه الظروف السياسية او الذي يمارسه الاخر ضدهم.
النتائج - ايضا - تكشف عن مدى فهم المسلمين في الدول غير الاسلامية لمقاصد دينهم ، وهو فهم يفوق ما عليه اخوانهم في البلاد الاسلامية نفسها ، واذا افترضنا - هنا - ان ظاهرة التدين وزيادة الطلب على الاسلام تشمل المسلمين وغيرهم داخل عالمنا الاسلامي وخارجه ، فان القياس عليها كمعيار لردم الفجوة بين الدين والتدين ، او«كأداة» لتقديم صورة الاسلام الصحيحة ، يبدو حقيقيا ومعتبرا لدى اخواننا المسلمين في الغرب ، بينما يبدو في مجتمعاتنا الاسلامية «شكليا»..حيث ان «التدين» بشتى صوره لا يعكس لدينا - للاسف - فهما حقيقيا للاسلام.. وهذا ما يفسر - مثلا نظرة «مسلمينا» الى المرأة في مجتمعاتنا الاسلامية ، او موقفهم من «الابداع» والتفوق ومختلف انواع «السلوك» المستقيم ونظرتهم الى الحياة ايضا.
والسؤال: لماذا يبدو المسلمون في البلاد غير الاسلامية اكثر التزاما وفهما للدين من اقرانهم في بلادنا ، ولماذا يدفع الدين «الاسلامي» المسلمين هناك الى التفوق والحيوية والرضا والقناعة ، والى ريادة «المساجد» ايضا بينما لا نرى «تأثيره» ودافعيته في اوساطنا الاسلامية ، هل للمناخات الحضارية السائدة هناك والغائبة هنا دور في ذلك؟ هل للحريات والديمقراطية وانعدام الخوف وسيادة القانون والانعتاق من القيود الفكرية والاتصال بالثقافات الاخرى.. سبب في هذه الظاهرة.
على خلاف الصورة «النمطية» التي تقدمها وسائل الاعلام الغربية «للمسلم» وهي مرتبطة دائما بالسلبية وباتهامات الارهاب والتخلف والكآبة.. الخ ، يقدم لنا هذا الاستطلاع صور اخرى اكثر «انصافا» وموضوعية ، وكنا نتمنى - بالطبع - ان تصدر هذه الصورة من دولنا ومجتمعاتنا الاسلامية لتقدم للآخرين نموذج «الاسلام» الذي نتحدث طويلا عنه ، ولكنها - يا للمفارقة - تأتينا من الخارج… من اخواننا المسلمين الذين اضطرتهم الظروف «للهجرة» وكأننا دائما بحاجة الى هجرة جديدة… لنفهم الاسلام على حقيقته ونمارسه كما هو..بعيدا عن مناهج «الوصاية» والحذف والاقصاء والتكفير التي يمارسها البعض خوفا على الدين من ابنائه واعدائه على حد سواء.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر