المدنيــة ونقيضهــا فـوتـوغـرافيـاً: صــور «البـدايــة»؟
رشا الاطرش
كيف تبدأ الحروب؟ كيف تصنع البدايات نفسها داخل عدسة كاميرا؟
النيران، المسلحون في مداخل البنايات، الملثمون، الخراب في المنشآت، المواطنون العزل الهاربون وإيقاعهم في أقدامهم المهرولة...
صحيح كل هذا، في نص بصري لشارع في حالة حرب. صحيح كل هذا، كجزء من أمر واقع، أمس، أمس الأول (اليوم؟ وغداً؟...). لكن تلك اللقطات لا تبدو المحور المرئي الفعلي لمفصل البداية. هي البديهيات الأولى. أما اللب ففي التناقض الأول. في مظاهر مَدَنية ـ مدينية ما زالت تصر على البقاء في الكادر، وإلى جانبها المظاهر الحربية، تدخله عنوة.
تدخل على مواقع وكالات الأنباء، وتختار خانة الصور. هنا المدينة التعسة، على شاشة الكومبيوتر، تتقيأ مخزون عامين أو ثلاثة من الشحن والتصعيد والعصبيات. لكن، قبل كل شيء، كلام الصور باللغة الإنكليزية.
تعنون «رويترز» صورها بعبارات من نوع «مسلحو المعارضة الشيعة (أو المعارضة الشيعية)...»، «مواطنون يعبرون الشارع وخلفهم سيارات محترقة بعد صدامات بين الأخصام السنة والشيعة في منطقة...»، «حزب الله المدعوم من إيران...»، «الحكومة اللبنانية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية...». أما «وكالة الصحافة الفرنسية» فمن أبرز عباراتها: «مناصرو المعارضة بقيادة حزب الله...». وفي حين اختارت «رويترز» لخانة category (اي التصنيف) أحرف VIO لاختصار كلمة violence (عنف)، عَبَرت «الفرنسية» مباشرة إلى التصنيف war (حرب). «رويترز» تميل إلى وصف ما يحدث في شوارع بيروت، إلى «الشكل». علماً أنها اختارت العبارة نفسها لتصنيف صورها خلال حرب تموز. تقابلها «الفرنسية» بالتصنيف طبقاً للمعنى. معنى الحرب المُضمر، بغض النظر عما إذا كنا أمام مواجهة ستستمر، أم إزاء اضطرابات ستظل تضطرم وتخمد كما «اعتدناها» منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
الكلام هنا ليس في سياق المحاسبة (المهنية أو غير المهنية). فهذه جدلية أقرب إلى العدمية بالنسبة إلى لبنانيين يعيشون كل هذه الأفعال مضارعةً، عنفاً وقلقاً واستحضاراً للماضي القريب. تلك ملاحظات. نبذات عن انعكاساتنا في «مرايا» تتمثل بعدسات المصورين الإعلاميين، لا سيما في وكالات أنباء توزع صورنا على صحافة الدنيا. يشرح كلام الصور للمشتركين في الخدمة الفوتوغرافية حساسياتنا الطائفية الراهنة والتشابكات الدولية في الصراع المحلي. شرح يبدو ضرورياً لزبائن الخدمة المصورة من المؤسسات الإعلامية في العالم. تصفن في الأمر وتجفل. لا شعورياً، تضبط نفسك وأنت تفكر، في الوقت ذاته، بالعراق كمثل مضارع بدوره. ترتعب من نفسك وعليها.
تنصبّ العين الآن على مضامين الصور. هذا مستوعب نفايات أخضر، تُحرق محتوياته، أو يُقلب في وسط الطريق لقطعه. مستوعب النفايات الذي عدنا لنراه، بعد الحرب الأهلية، بدل تلال الزبالة المكللة بأسراب الذباب والبعوض في زوايا الأحياء السكنية. المستوعب كرمز لعودة السلم (سابقاً) ومعه العمل البلدي المنظم والطبيعي إلى مدينة تستقر وتغدو قادرة على تنظيف نفسها. هو نفسه المستوعب الظاهر اليوم كأداة تحدٍّ وعنف يتجاوز بالطبع مفاهيم المدن الراسية.
مستديرة الطيونة. تراب الأشغال لإقامة حديقة في الساحة الصغيرة، التي تدور من حولها سيارات تذهب بأصحابها إلى أشغالهم وبيوتهم، إلى أحبّة ومواعيد. تؤخذ منه «حفنات» لقطع الطرقات المتفرعة من المستديرة. التراب المنكوش بهدف تجميل وجه من وجوه بيروت. التراب المستخدم كسواتر تفصل بين مناطق، تسد بعض شرايين العاصمة. الشيء وضدّه.
وهذا طريق المطار، يشابه نفسه منذ أكثر من ثلاثين عاماً. بمحيطه الخرب المسجّل في الذاكرة. بالمسافرين السائرين على أقدامهم، ومعهم الشنط. كانت قوافل المسافرين تهرب من القصف، عبر أي مرافئ أو حدود برية مفتوحة، إلى قبرص أو دمشق، ومنهما إلى شتى أنحاء الاغتراب واللجوء. طريق المطار وقد أغلقتها السواتر الترابية. على جنبيها إعلانات واضحة تحت شمس النهار، ومضاءة في دامس الليل. إعلانات لشركات سياحة، وبرامج تلفزيونية ترفيهية، ومتاجر كبرى تعلن عن بضائعها الجديدة. يبدو المطار نفسه في خلفية الصور، ببنيانه الذي أعيد تشييده أوائل التسعينيات لاستقبال أربعة ملايين سائح مفترضين، وأثار وقتها سجالاً من نوع: «أي تنمية نريد؟ أللحجر أولوية على البشر؟ أم أن الحجر، إذا علا، فإنه فعلاً يُعلي معه البلد وناسه؟...». كانت الصدور تتسع، آنذاك، لسجالات مَدَنية من هذا القبيل. واليوم لا صدور. فقط ألسنة ترطن بالحرب والمذاهب. فقط أذرع تتأبط السلاح. فقط أيد ترتفع بالوعيد وتهبط باللّكمات.
هل نحن أمام صور «البداية»؟ أم أنها صور «طارئ» على الشارع، ولنا فرصة درئه؟
المُدُنية ونقيضها في لقطات فوتوغرافية مكثفة... في انتظار من يحسم هــذا الجدل المشهدي العارم.
رشا الأطرش
النيران، المسلحون في مداخل البنايات، الملثمون، الخراب في المنشآت، المواطنون العزل الهاربون وإيقاعهم في أقدامهم المهرولة...
صحيح كل هذا، في نص بصري لشارع في حالة حرب. صحيح كل هذا، كجزء من أمر واقع، أمس، أمس الأول (اليوم؟ وغداً؟...). لكن تلك اللقطات لا تبدو المحور المرئي الفعلي لمفصل البداية. هي البديهيات الأولى. أما اللب ففي التناقض الأول. في مظاهر مَدَنية ـ مدينية ما زالت تصر على البقاء في الكادر، وإلى جانبها المظاهر الحربية، تدخله عنوة.
تدخل على مواقع وكالات الأنباء، وتختار خانة الصور. هنا المدينة التعسة، على شاشة الكومبيوتر، تتقيأ مخزون عامين أو ثلاثة من الشحن والتصعيد والعصبيات. لكن، قبل كل شيء، كلام الصور باللغة الإنكليزية.
تعنون «رويترز» صورها بعبارات من نوع «مسلحو المعارضة الشيعة (أو المعارضة الشيعية)...»، «مواطنون يعبرون الشارع وخلفهم سيارات محترقة بعد صدامات بين الأخصام السنة والشيعة في منطقة...»، «حزب الله المدعوم من إيران...»، «الحكومة اللبنانية المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية...». أما «وكالة الصحافة الفرنسية» فمن أبرز عباراتها: «مناصرو المعارضة بقيادة حزب الله...». وفي حين اختارت «رويترز» لخانة category (اي التصنيف) أحرف VIO لاختصار كلمة violence (عنف)، عَبَرت «الفرنسية» مباشرة إلى التصنيف war (حرب). «رويترز» تميل إلى وصف ما يحدث في شوارع بيروت، إلى «الشكل». علماً أنها اختارت العبارة نفسها لتصنيف صورها خلال حرب تموز. تقابلها «الفرنسية» بالتصنيف طبقاً للمعنى. معنى الحرب المُضمر، بغض النظر عما إذا كنا أمام مواجهة ستستمر، أم إزاء اضطرابات ستظل تضطرم وتخمد كما «اعتدناها» منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
الكلام هنا ليس في سياق المحاسبة (المهنية أو غير المهنية). فهذه جدلية أقرب إلى العدمية بالنسبة إلى لبنانيين يعيشون كل هذه الأفعال مضارعةً، عنفاً وقلقاً واستحضاراً للماضي القريب. تلك ملاحظات. نبذات عن انعكاساتنا في «مرايا» تتمثل بعدسات المصورين الإعلاميين، لا سيما في وكالات أنباء توزع صورنا على صحافة الدنيا. يشرح كلام الصور للمشتركين في الخدمة الفوتوغرافية حساسياتنا الطائفية الراهنة والتشابكات الدولية في الصراع المحلي. شرح يبدو ضرورياً لزبائن الخدمة المصورة من المؤسسات الإعلامية في العالم. تصفن في الأمر وتجفل. لا شعورياً، تضبط نفسك وأنت تفكر، في الوقت ذاته، بالعراق كمثل مضارع بدوره. ترتعب من نفسك وعليها.
تنصبّ العين الآن على مضامين الصور. هذا مستوعب نفايات أخضر، تُحرق محتوياته، أو يُقلب في وسط الطريق لقطعه. مستوعب النفايات الذي عدنا لنراه، بعد الحرب الأهلية، بدل تلال الزبالة المكللة بأسراب الذباب والبعوض في زوايا الأحياء السكنية. المستوعب كرمز لعودة السلم (سابقاً) ومعه العمل البلدي المنظم والطبيعي إلى مدينة تستقر وتغدو قادرة على تنظيف نفسها. هو نفسه المستوعب الظاهر اليوم كأداة تحدٍّ وعنف يتجاوز بالطبع مفاهيم المدن الراسية.
مستديرة الطيونة. تراب الأشغال لإقامة حديقة في الساحة الصغيرة، التي تدور من حولها سيارات تذهب بأصحابها إلى أشغالهم وبيوتهم، إلى أحبّة ومواعيد. تؤخذ منه «حفنات» لقطع الطرقات المتفرعة من المستديرة. التراب المنكوش بهدف تجميل وجه من وجوه بيروت. التراب المستخدم كسواتر تفصل بين مناطق، تسد بعض شرايين العاصمة. الشيء وضدّه.
وهذا طريق المطار، يشابه نفسه منذ أكثر من ثلاثين عاماً. بمحيطه الخرب المسجّل في الذاكرة. بالمسافرين السائرين على أقدامهم، ومعهم الشنط. كانت قوافل المسافرين تهرب من القصف، عبر أي مرافئ أو حدود برية مفتوحة، إلى قبرص أو دمشق، ومنهما إلى شتى أنحاء الاغتراب واللجوء. طريق المطار وقد أغلقتها السواتر الترابية. على جنبيها إعلانات واضحة تحت شمس النهار، ومضاءة في دامس الليل. إعلانات لشركات سياحة، وبرامج تلفزيونية ترفيهية، ومتاجر كبرى تعلن عن بضائعها الجديدة. يبدو المطار نفسه في خلفية الصور، ببنيانه الذي أعيد تشييده أوائل التسعينيات لاستقبال أربعة ملايين سائح مفترضين، وأثار وقتها سجالاً من نوع: «أي تنمية نريد؟ أللحجر أولوية على البشر؟ أم أن الحجر، إذا علا، فإنه فعلاً يُعلي معه البلد وناسه؟...». كانت الصدور تتسع، آنذاك، لسجالات مَدَنية من هذا القبيل. واليوم لا صدور. فقط ألسنة ترطن بالحرب والمذاهب. فقط أذرع تتأبط السلاح. فقط أيد ترتفع بالوعيد وتهبط باللّكمات.
هل نحن أمام صور «البداية»؟ أم أنها صور «طارئ» على الشارع، ولنا فرصة درئه؟
المُدُنية ونقيضها في لقطات فوتوغرافية مكثفة... في انتظار من يحسم هــذا الجدل المشهدي العارم.
رشا الأطرش
كتبها isam mallah في 06:38 مساءً ::
لا يوجد تعليق



حياتنا تناشد الجميع مقاطعة المواقع والفضائيات المشهورة بدس الأضاليل وإثارة الفتن