صالح بشير
هل تكون الصيغة اللبنانية هي الصيغة المستقبلية للبلدان المشرقية، والأفق الذي تشخَصُ نحوه كيانات تلك المنطقة، إن لم يمسسها تحوير يعيد تركيب مكوِّناتها منذ أن فُصلت عن المجال العثماني في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ثم منذ أن استوت دولاً مستقلة في أعقاب الحرب العالمية الثانية؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً، إن لم نقل مريباً، إذ يلوح كالزاعم إضفاء صفة النموذج على ما درجت نخب المنطقة، وتلك اللبنانية منها في المقام الأول، على حسبانه نموذجاً- مضاداً، وذلك قياساً إلى ما يُتوهّم "قاعدة" مستتبّة أو ما يقوم مقامها، هي المتمثلة في الدولة المركزية، المتجانسة التي قد يُبلغ في تبجيلها مبلغ الانسحار بمقترفي الانقلابات العسكرية، بُناة أنظمة الاستبداد.
غير أن ما يعنينا هنا ليس الدخول في مفاضلة بين "النموذجين"، إذ ليس فيهما ما يدعو إلى المفاضلة. فالصيغة اللبنانية معلومة عاهاتها، لا تنفك بادية للعيان منذ أكثر من ثلاثة عقود. وإن نحن توقفنا عند التاريخ القريب والراهن، إذا هي أزمة دائمة. أما الصيغة المركزية فهي ليست أفضل حالاً، إذ هي قد تفلح في إحلال الاستقرار، ولكن إلى حين وبثمن باهظ، أساسه الاستبداد ووسائله القسر والإرغام، قاسٍ مولّد للضغائن، وهي لذلك لا تلغي أسباب التفكك بل تؤجله، وهي إذ تفعل، متوخية تلك الوسائل، إنما ترسي الاحتقان وتغذيه.
وإن كان من سمة فارقة للصيغة اللبنانية، فهي تسليمها بالفشل في استخلاص وحدة الكيان ودولته من مقومات فيهما داخلية، صير إلى التعويض عنها بعوامل (قوى) خارجية، ذات نفوذ إقليمي أو دولي. ومشكلة تلك الصيغة أنها، من جراء ذلك وبفعل افتقارها إلى مقومات التماسك الداخلية، هشة بطبيعتها، متحوّلة لا تثبت على حال، بفعل ما يطرأ على تلك القوى الخارجية، المؤثرة والضامنة للتوازن، من تقلُّب على صعيد النفوذ وعلى ميزان القوة بينها
لذلك، فإن كان من عنصر جدّة في هذا الطرح، فهو ذلك الذي يتوقع لبقية كيانات المنطقة المشرقية أو لبعضها، مآلاً كذلك اللبناني، يجد في تنامي الهويات العضوية، الطائفية والمذهبية والإثنية والعشائرية وفي نزوع الكيانات إلى التفكك، علاماتٍ ترجّحه. ربما مثل العراق، الذي جاء الغزو الأميركي قبل سنوات خمس ليودي بالنظام الذي كان يحكمه فأودى بدولته، مثالاً ذا دلالة على كيان قام، حتى احتلاله، على مركزية شديدة القسرية، كانت قد تأزمت وفقدت مقوّمات الاستمرار حتى قبل ذلك الغزو، فانطلقت قوى الانتماء العضوي من عقالها، وبرزت إلى الواجهة الطوائف والقوميات والمذاهب.
ما هو في حكم اليقين أو يكاد، أن بروز تلك القوى مبرم لا رجعة فيه، وأنها ستظل، في المدى المنظور، فاعلة تحظى بالتأثير، حتى إذا ما استعادت بلاد الرافدين تماسكاً، فإنه سيكون خلاصة مساومات بينها على تعايش لا مناص منه، على شكلٍ قد يكون فيدراليّاً، وسيكون، على أية حال، بحاجة هو بدوره، وعلى نحو تأسيسي، إلى ضمانة خارجية (إيرانية أو أميركية وربما تركيّة أو سواها) بحيث يكون التوازن الداخلي جزءاً من توازن إقليمي، أي، بمعنى آخر، خلُوصاً إلى ما يمثل لب ما يُعرف بالصيغة اللبنانية.
فالصيغة اللبنانية هي، على علاّتها، ما يتبقى متاحاً، حيثما وُجد كيان متعدد المكوّنات، يتعذر القفز من فوقه، مجالاً اضطراريّاً للتعايش من وجه، ولا يمتلك مقوّمات تماسكه الداخلي من وجه آخر، وبحيث لا يتيسر الانتماء إلى الوطن إلا بالانتقاص منه، شرطاً لذلك الانتماء. كل ذلك لأن الصيغ "المركزية"، فشلت، منذ أن بعثت إلى الوجود مع استقلال دول المنطقة، في اجتراح وطنيات ناجزة، بحيث يمكن القول إنه إذا ما كان لمقولة "الدول الفاشلة"، تلك التي ترددها أوساط أميركية بعينها، من جدوى تفسيرية في ما يخص تلك المنطقة، فهي تلك المتمثلة في أنها قد تمثل تشخيصاً لا يخلو من دقة لذلك الوضع. بل إن الفشل ذاك قد يكون أشمل من أن يتوقف عند حال تلك الكيانات وأبعد مدى، وقوامه أنه ليس بين تلك القوى الخارجية الراعية للتوازنات الداخلية لتلك الكيانات قوة تتأتى من المجال العربي.
كتبها isam mallah في 02:39 مساءً ::



حياتنا تناشد الجميع مقاطعة المواقع والفضائيات المشهورة بدس الأضاليل وإثارة الفتن