لبنانيات
كتبهاisam mallah ، في 9 تموز 2009 الساعة: 16:46 م
دولتان اصطناعيتان في المنطقة إحداهما لبنان ؟
سركيس نعوم
هل مطلب جعل العاصمة بيروت مدينة آمنة واقعي؟
قبل الجواب عن هذا السؤال لا بد من التأكيد انه اولاً مطلب مشروع لأن استمرار الفلتان الأمني وتحديداً سيطرة المسلحين على الشوارع، سواء كانوا ابناء ميليشيات او ابناء احياء واياً تكن دوافع حملهم السلاح، من شأنه في ظل الخلافات وخصوصاً على الصعيد المذهبي الاسلامي ابقاء العاصمة ساحة للتوتر والصدامات والاشتباكات. ومن شأنه ايضاً تعزيز احتمال اندلاع حروب مذهبية قد لا تبقى محصورة في العاصمة. وطبيعي في وضع كهذا ان ترتفع اصوات ابناء بيروت، سواء كانوا منها او صاروا جزءاً منها، مطالبين بالأمن والأمان ولا سيما منهم البعيدون عن الاحزاب والتيارات. ولكن طبيعي ايضاً التساؤل اذا كان بقي في بيروت، سواء من ابنائها الاصليين او من الذين صاروا ابناءها، من هو بعيد عن الاحزاب والتيارات وخصوصاً بعدما صارت كلها معبّرة عن مذاهب ونجحت في مذهبة الشارع الاسلامي البيروتي وتعبئته ووضع ابنائه بعضهم ضد بعض؟
انطلاقاً من ذلك يمكن القول بكل تجرّد وصدق مع الذات ان مطلب جعل بيروت مدينة آمنة غير واقعي. فما تعانيه بيروت تعانيه مناطق اخرى من لبنان وتحديداً مدن اخرى، منها صيدا التي بادرت بعد انطلاق الدعوة البيروتية الى المطالبة بجعلها هي أيضاً آمنة. ومنها طرابلس عاصمة الشمال التي عانت في السابق صدامات ظاهرها "سياسي ووطني وقومي" وجوهرها مذهبي صرف. وقبل ذلك شهدت مناطق بقاعية معروفة صدامات واشتباكات من النوع نفسه، وليس هناك ما يمنع تجدد ذلك وتوسعه. هذا كله يؤكد حقيقة اساسية هي ان الأمن إما ان يسود البلاد كلها أو يبقى مفقوداً في البلاد كلها. اذ لا يمكن ان تعيش مدينة او منطقة بأمان، في حين تعيش المناطق والمدن الأخرى تشنجات واشتباكات متنوعة ولا سيما في ظل إصابة الكل بالأمراض نفسها المتسببة بالفتن والاقتتال.
ويؤكد حقيقة اساسية ثانية هي ان شرط سيادة الأمن البلاد كلها هو وجود دولة يعترف ابناؤها بها وبسلطاتها ومؤسساتها المدنية والامنية والعسكرية وطبعاً الدستورية، ولا يشكك احد منهم في نيات اطراف فيها ويثق جميعهم بأنها عادلة في معاملة الجميع. ويؤكد حقيقة اساسية ثالثة هي ان وجود دولة كهذه لا يمكن ان يتحقق اذا كان اللبنانيون مختلفين على اي لبنان يريدون: هل يريدون لبنان الاسلامي ام لبنان المسيحي؟ هل يريدون لبنان السنّي ام لبنان الشيعي؟ هل يريدون لبنان المسيحي (المستحيل) ام لبنان المسيحي – الدرزي (على استحالة قيامه) ام لبنان المسيحي السنّي ام لبنان المسيحي – الشيعي؟ هل يريدون لبنان الديموقراطي أم الشمولي؟ ولكل من هذه اللبنانات انصار ومؤيدون. وبعض هؤلاء مدجج بالسلاح، وبعضهم الآخر مدجج بالعناد والرفض رغم نقص السلاح، أو بالمناورة والتشاطر والتذاكي.
ويؤكد حقيقة اساسية رابعة هي انه في ظل غياب اتفاق على الوطن الذي يريده الجميع، فان الدولة القائمة ستبقى عاجزة بكل مؤسساتها عن حماية المواطنين وردع المخالفين والمخلّين بالأمن، لأن الموضوعات والقضايا والمشكلات متداخلة كلها وهي التي شلّت المؤسسات الدستورية، رغم وجودها، والمؤسسات المدنية. وهي التي تمنع المؤسسات العسكرية والأمنية من التحرك، بل من القيام بواجبها من دون اذن. واللبنانيون يعرفون، ومنهم اصحاب مطلب "بيروت مدينة آمنة"، ان الأمن بالتراضي ليس أمناً. ويعرفون في الوقت نفسه ان الأمن بغير التراضي مستحيل لأن محاولة فرضه تؤثّر على وحدة المؤسسة وتضع البلاد على عتبة مجهول قد يكون معلوماً عند كثيرين… ومطلوباً.
طبعاً لا نريد في هذه العجالة اصابة رافعي المطلب المذكور باليأس والإحباط. لكننا نريد ان نلفت "الشعوب" اللبنانية الى انها هي المسؤولة الأولى عن كل ما يصيبها مجتمعة او منفردة او "بالدور" كما يقال. اولاً، لأنها شعوب وليست شعباً واحداً. وثانياً، لأن لقادة كل منها مشروعات شخصية وأخرى فئوية تؤذي البلاد وتستهدف شقيقاتها. وثالثاً، لأنها منقادة الى هؤلاء القادة بوعي او من دون وعي. علماً ان مصالح القادة عند الجميع اوسع بكثير من مصالح شعوبها واكثر اهمية.
في اختصار، على اللبنانيين الا "ينغشّوا" ويصدقوا قادتهم، وخصوصاً عندما يقولون انهم رفعوا الغطاء السياسي عن الذين يرتكبون اعمالاً عنفية من انصارهم او من شعوبهم. فهذا القول لا معنى له ولا ترجمة، وخصوصاً عندما نرى في أزقة بيروت وزواريبها والشوارع كما في كل مدينة أخرى صغيرة او كبيرة وفي كل منطقة مجموعات تتصرف على انها "وحدات ميليشياوية" كي لا نقول عسكرية مفرزة للمراقبة والتدخل عند وقوع اي حادث، سواء أكان ابن ساعته أم مفتعلاً. فكل قادة لبنان يعرفون أن مصير وطنهم وشكل نظامه ودولته لم يحسما نهائياً بعد، وأن كل ذلك لن يحسم قبل ان ترسو المنطقة على صيغة نهائية بعد حل مشكلاتها. وبدلاً من ان يبادروا الى التعاون لتقرير مصير بلادهم بيدهم، نراهم موزعين على الخارج سواء لسخائه في دعمهم المتنوع (السلاح – اموال – حماية – دعم سياسي)، او لعجزهم عن الافلات من سيطرته. ذلك كله اعاد اخيراً الى العالم الفاعل او الى بعضه على الاقل نوعاً من الاقتناع بان لبنان دولة اصطناعية او زائفة. وتشاركه في هذه الصفة دولة اخرى في المنطقة. والدول الاصطناعية او الزائفة يمكن الاستغناء عنها كما يمكن استعمالها ساحة وابناءها ادوات. وذلك يعني مزيداً من الاقتتال والدماء.
بين عروبة لبنان و«لبنان أولاً»
الخميس, 09 يوليو 2009
رغيد الصلح *
تجدد الجدل خلال الاسابيع المنصرمة حول عروبة لبنان واتسع نطاقه اذ اشتركت فيه مراجع دينية ومراجع زمنية، ودخل الجدل ساحة الصراع الانتخابي والتنافس النيابي وتكوين الكتل البرلمانية وتشكيل الحكومة المقبلة، كما تخلل مناقشات فكرية وسجالات صحافية ومبارزات تلفزيونية. هل يعني ذلك ان فكرة العروبة التي تراجعت تراجعا كبيرا في لبنان وفي المنطقة العربية استعادت حيويتها وتأثيرها على الرأي العام اللبناني؟ هل يعني ذلك ان لبنان واللبنانيين يقفون امام خيارات رئيسية مستمدة من الفكرة العربية وانهم مطالبون باتخاذ مواقف منها؟
المساحة التي احتلتها التصريحات المتنوعة حول عروبة لبنان في الإعلام المرئي والمكتوب والمسموع توحي بأن هذه الفكرة قد عادت، بالفعل، لكي تحتل حيزاً مهماً من اهتمامات النخب السياسية والمواطنين في لبنان. وحيث ان لبنان لعب دورا مهماً في نشر هذه الفكرة في المنطقة العربية، ولأن بينه وبين المنطقة علاقة تفاعل حميمة، فان الاهتمام اللبناني بها يوحي بأن هذه الفكرة استعادت بعض ألقها في البلدان العربية عموما. بيد ان من يتابع الجدل حول هذه المسألة والمواقف الذي برزت تجاهها بشيء من التأني، يصل الى استنتاج مغاير. فهذه الفكرة التي كانت تشكل بمخزونها المعرفي والقيمي اساسا لتحديد مواقف وسياسات القيادات السياسية والدول العربية، باتت تستخدم بصورة انتقائية ولأغراض ظرفية وعلى نحو يتعارض مع اهدافها الاساسية.
اثيرت مسألة عروبة لبنان قبيل الانتخابات اللبنانية في معرض التحذير من التحدي الايراني. وتساوت هذه التحذيرات مع مخاوف ترددت في اكثر من بلد عربي حيال هذه الظاهرة مما اضفى على التحذير صدقية وأحاطه بالاهتمام. ولقد انطوى هذا التحذير على بعض المبررات. ذلك ان ايران هي اليوم، حقا، قوة اقليمية صاعدة. نمو القوة الايرانية لا يعبر، في الاساس، عن «سوء نية» ايرانية تجاه الغير وتجاه الجيران. كفى الايرانيين ان يحبوا بلادهم وان يسعوا الى استثمار ثرواتها الطبيعية والبشرية حتى يصبحوا قوة ذات شأن في المنطقة. وكفى حكام ايران ان يتطلعوا الى تعزيز قوة بلدهم حتى تصير لهم مكانة دولية.
في سعيهم من اجل تنمية بلدهم وتعزيز مكانتها فللإيرانيين ان يختاروا واحدا من طريقين: طريق يمر عبر بسط نفوذ ايران على الدول العربية المجاورة، والطريق الثاني يمر عبر التعاون مع هذه الدول. الطريق الاول قد يقتضي العمل على إضعاف هذه الدول حتى تصبح مكشوفة امام التدخل الخارجي والايراني تحديدا. الطريق الثاني يتطلب احترام ايران والدول العربية معاً مبادئ حسن الجوار والمصالح المشتركة والقرابة الثقافية والدينية التي تجمع بين العرب والايرانيين. ما هو العامل أو العوامل التي تجعل طهران تجنح الى هذا الطريق أو ذاك؟
في تاريخ العلاقة بين الطرفين لعب العامل الجيو - استراتيجي، الى جانب عوامل اخرى، دورا مهما في تحديد السياسة التي اتبعتها طهران تجاه جيرانها العرب. عندما كان العرب يحافظون على شيء من التعاون والتفاهم في ما بينهم، وعندما كانت القاهرة او بغداد او محور مصر - السعودية - سورية تشكل عصب الاجماع العربي، لم يكن للصعود الايراني طعم التحدي الذي يثير المخاوف في المنطقة العربية. الصعود الايراني اليوم بات امرا يثير القلق عربيا. وهذه المخاوف تتصل اتصالا وثيقا بالتدهور المحزن الذي يعاني منه النظام الاقليمي العربي وبتبدل في موازين القوى بين العرب والايرانيين، ففيما تعزز ايران قوتها ومكانتها الاقليمية تصل المنطقة العربية الى ذروة تفككها. فمن هو المسؤول عن هذا الوضع؟ وكيف يمكن تصحيحه؟ وهل يساهم شعار «بلدي اولاً» الذي تعتنقه اطراف عربية ومنها تكتل "لبنان اولاً"، في تصحيح الاوضاع العربية والاقليمية؟
تتحمل الاطراف الدولية والاقليمية والمحلية المعادية لفكرة العروبة الدور الاكبر في إضعاف النظام الاقليمي العربي، وإنهاك الدول الرئيسية فيه. من بين هؤلاء يجد المرء بعض الفاعلين في ايران وخاصة بين انصار الحكم الامبراطوري السابق. ولكن هؤلاء مهما بلغت سلبيتهم تجاه العرب فإنهم لا يحتلون مرتبة عالية بين الذين ناصبوا العروبة العداء، وحاربوها بكل وسيلة فكرية وسياسية واقتصادية وعسكرية مثل الحركة الصهيونية وادارة جورج بوش-ديك تشيني.
تصحيح هذا الوضع يقتضي حماية الفكرة العربية ومؤسساتها ومشاريعها من العدوان المستمر الذي تشنه قوى الآرابوفوبيا عليها. هذه القوى موجودة في اسرائيل والبيئة الاطلسية قبل اي بلد آخر. فضلا عن ذلك فان اعادة الاعتبار الى الفكرة العربية يتطلب تنزيهها مما علق بها من نزعات استبداديةوقهرية،وتأكيد طابعها الديموقراطي والاصلاحي الذي رافق ولادتها في بداية القرن العشرين. كذلك يقتضي تصحيح هذا الوضع بناء كتلة اقليمية عربية متماسكة تلتزم بالمبادئ الكونفيدرالية.
وكما هو معلوم ومعروف في علم السياسة فإن الانخراط في أية منظومة دولية او اقليمية يتطلب التضحية بشيء من المصالح والتخلي عن قسط من السيادة الوطنية من قبل سائر الاطراف التي تنضم الى هذه المنظومة لقاء المكاسب البعيدة المدى التي تعود على كل طرف من هذه الاطراف. بهذا المعنى يصبح تأسيس مثل هذه المنظومات والتكتلات بمثابة استثمار طويل الامد، وضمان لمستقبل البلاد وأمنها واستقرارها.
لو قال حكام اندونيسيا والفيليبين وماليزيا وسنغافورة وتايلاند عام 1967 «بلدنا اولاً» لما قامت رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ولما تمكنت من الاضطلاع بدور مهم في احتواء النزاعات في جنوب شرق آسيا. ولو قال حكام الارجنتين والبرازيل «بلدنا اولاً» عام 1991 لما قامت سوق اميركا الجنوبية المشتركة (ميركوسور)، ولما حولت علاقة التناحر بين البلدين الى علاقة تعاون اقليمي وثيق وتنسيق على كل صعيد. لو قال الجنرال ديغول «فرنسا اولاً» فحسب ولم يقرن تعلقه الصريح بمجد فرنسا وسيادتها بالحرص على التعاون مع الجيران الاوروبيين وببناء «اوروبا موحدة من الاطلسي الى الاورال»، لما قامت السوق الاوروبية المشتركة. فهل لشعار«لبنان اولاً» الذي اعتمدته الكتلة النيابية الاكبر في لبنان معنى مختلف؟
ان اللبنانيين هم حقاً جزء من المحيط العربي، ولكنهم ليسوا كلهم مؤيدين للفكرة العربية، كما جاء في تعقيب لرئيس الحكومة السابق سليم الحص على جدل لبنان والعروبة. بعض اللبنانيين كانوا مؤيدين لهذه الفكرة، وقد عبّروا عن هذا الموقف خلال المراحل الأولى لتأسيس النظام الاقليم العربي. ولكن البعض الآخر كان ضدها فعمل بحمية على ان يستأثر بتمثيل لبنان في المراحل اللاحقة واضطلع بدور رئيسي في تكبيل النظام الاقليمي الوليد بالقيود الثقيلة وحرمانه من الفاعلية.
كان اصحاب هذا الموقف جزءا من المحيط العربي مثلما كانت مارغريت ثاتشر، رئيسة حكومة بريطانيا السابقة والثاتشريون، «في قلب اوروبا». كانوا في قلب القارة ليس بقصد تحقيق التكامل بين دولها ولكن للحيلولة دون اكتمال المشروع الاوروبي وتطوره. اما التأكيد على اولوية الدولة اللبنانية فانه مطلوب في كل لحظة في مقابل العصبيات الطائفية والمذهبية الجامحة التي استولت على العقول، وفي مواجهة سائر الدول التي تنال من السيادة اللبنانية. ولكن هذا التأكيد لا يدلنا على موقع لبنان من الدعوة العربية، ولا على موقف كتلة «لبنان اولاً» تجاه مشاريع التعاون العربي، ولا على المبادرات التي سوف يتخذها هذا التكتل النيابي من اجل تحريك هذه المشاريع وانقاذ المؤسسات الاقليمية العربية من الحال البائس الذي تعاني منه. الشعار الذي اعتمدته اكبر كتلة نيابية في لبنان يكرس هذه الحال ويؤكدها.
* كاتب لبناني
تنسيق أمني لبناني ـ فرنسي
سافر نائب مدير الاستخبارات في الجيش اللبناني العقيد عباس إبراهيم إلى باريس للمشاركة في اجتماعات تنسيقية تخص المؤسسة العسكرية، وهي اجتماعات بدأت منذ مدّة قبل مشاركة ضبّاط من المديرية نفسها وبالتنسيق مع الأجهزة النظيرة في فرنسا.
المنتدى العربي للبيئة والتنمية
يعقد مؤتمره السنوي للمرة الاولى في بيروت


صورتان فضائيتان لبيروت من 1984 و2006 تبين من تحليلهما 27 كيلومترا مربعا من الغطاء النباتي، اي 15,8 في المئة، خلال 22 سنة. (مركز علوم الفضاء في جامعة بوسطن – غنيم – من تقرير "أفد")
اثر ارتفاع البحار خمسة امتار على الشاطئ الغربي للامارات العربية المتحدة. (مركز علوم الفضاء في جامعة بوسطن – غنيم – من تقرير "أفد") نجيب صعب يراجع مع فاروق الباز في جامعة بوسطن الدراسات الفضائية التي يعدها لتقرير "أفد".
تستضيف بيروت في تشرين الثاني المقبل الحدث البيئي الابرز في المنطقة. فقد اعلن المنتدى العربي للبيئة والتنمية "أفد" اختيار مجلس امنائه بيروت لانعقاد مؤتمره السنوي، الذي يناقش موضوع اثر تغير المناخ على المنطقة العربية. وجاء قرار مجلس الامناء نقل مكان المؤتمر الى بيروت، بعدما كان مقررا في احدى العواصم الخليجية، بناء على طلب عدد كبير من الاعضاء، اثر التطورات الايجابية التي اعقبت الانتخابات النيابية واشاعت اجواء من الاستقرار.
وكان المنتدى، الذي تأسس في حزيران 2006، اتخذ بيروت مقرا لامانته العامة، ومنحته الحكومة اللبنانية حصانات المنظمات الدولية وامتيازاتها. غير ان اوضاع بيروت خلال السنتين الاخيرتين فرضت عقد اجتماعاته الاقليمية خارج لبنان. ففي تشرين الثاني 2007 انعقدت "قمة رجال الاعمال العرب حول المسؤولية البيئية" بالاشتراك مع هيئة البيئة في ابو ظبي، التي تعهد خلالها رؤساء 120 شركة عربية كبرى خفض استهلاك الطاقة والمياه في عملياتهم بنسبة 20 في المئة مع حلول سنة 2012، واتفقوا على اصدار تقارير دورية عن الاثر البيئي لنشاطاتهم.
وفي تشرين الاول 2008، عقد المنتدى مؤتمره السنوي في المنامة، بمشاركة اكثر من 400 مندوب، بينهم 15 وزيرا ورؤساء شركات واكاديميون وناشطون بيئيون، الى اعضاء المنتدى من انحاء العالم العربي. وناقش مؤتمر المنامة التقرير الذي اعده المنتدى عن وضع البيئة العربية بعنوان "البيئة العربية: تحديات المستقبل". وصدر التقرير في كتاب من طبعتين بالعربية والانكليزية، وترجم لاحقا الى اليابانية والاسبانية. كما اعتمدت توصياته في الاعلان الصادر عن القمة العربية الاقتصادية التي انعقدت في الكويت في كانون الثاني الماضي.
اما المؤتمر السنوي الذي يعقد في قاعة الامارات بفندق "حبتور غراند" بين 19 و20 تشرين الثاني، فسيناقش التقرير الذي يعده المنتدى بعنوان "اثر تغير المناخ على الدول العربية". ويعمل على هذا التقرير بعض ابرز الخبراء العرب، في اشراف الدكتور محمد العشري الرئيس المشارك للجنة الدولية حول المناخ والتنمية والرئيس السابق لمرفق البيئة العالمي، والدكتور مصطفى كمال طلبه المدير التنفيذي السابق لبرنامج الامم المتحدة للبيئة، وهو الذي اطلق في التسعينات الهيئة الحكومية المشتركة حول تغير المناخ، والدكتور محمد الراعي احد ابرز خبراء التغير المناخي العرب.
ومن ابرز محتويات التقرير صور فضائية طورت خصيصا في مركز علوم الفضاء بجامعة بوسطن، في اشراف مدير المركز الدكتور فاروق الباز، تظهر للمرة الاولى التغيرات في شواطئ المنطقة وغطائها النباتي وتمددها العمراني. كما طورت سيناريوات من صور فضائية فائقة الدقة، تظهر اثر ارتفاع البحار بين متر واحد وخمسة امتار على الشواطئ العربية، الى جانب دراسات فضائية محددة لبيروت ودلتا النيل ودبي.
ويعرض التقرير في دراسات مفصلة لآثار تغير المناخ على الزراعة والغذاء والمياه والتنوع الحيوي والبنى التحتية والعمران والسياحة، ويحتوي على فصل عن اثر تغير المناخ على الصحة في العالم العربي، أعد بالتعاون مع كلية العلوم الصحية في الجامعة الاميركية ببيروت، في اشراف عميدها الدكتور ايمان نويهض.
صعب: بحار ترتفع وامراض تتكاثر
ويصف الامين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية المهندس نجيب صعب التقرير بانه "اول دراسة شاملة ومستقلة عن اثر تغير المناخ على البلدان العربية، مبنية على الدلائل العلمية ونتائج احدث الابحاث، التي اجري كثير منها خصيصا للتقرير. فللمرة الاولى تستخدم الصور الفضائية لدراسة آثار تغير المناخ على المنطقة، وبعض المواضيع مثل الاثر على الصحة لم يطرح من قبل في اي من دول المنطقة، مع العلم ان ارتفاع الحرارة والجفاف وندرة المياه العذبة وارتفاع البحار كلها عوامل ستؤدي الى ظهور امراض جديدة".
ويشرح ان "التقرير صمم بهدف رفع مستوى الوعي لدى الجمهور والحكومات وقطاع الأعمال، من حيث اثر تغيّر المناخ، والتشجيع على مبادرات عملية وسياسات فاعلة لمواجهة التحدي".
ويكتسب المؤتمر أهمية خاصة لكونه ينعقد قبل أسابيع من المؤتمر الدولي حول تغير المناخ، في كوبنهاغن في كانون الاول 2009، للتفاوض على اتفاق دولي جديد لخفض الانبعاثات يحل محل بروتوكول كيوتو الذي تنتهي مفاعيله سنة 2012. ويأمل صعب في ان يساهم مؤتمر بيروت "في تطوير مواقف تساعد في تكوين جبهة عربية موحدة في مؤتمر كوبنهاغن، بناء على معطيات علمية".
والى عرض نتائج التقرير ومناقشتها، يتضمن المؤتمر جلسات عمل يتحدث فيها بعض ابرز المسؤولين والخبراء، بينهم رئيسة اللجنة الدولية للمناخ والتنمية وزيرة التعاون الدولي الاسوجية غونيلا كارلسون، ورئيس الاتحاد الدولي لصون الطبيعة آشوك كوسلا، ورئيس شبكة المناخ الآسيوية عتيق الرحمن، والمدير التنفيذي لمرصد الساحل والصحراء يوبا سوكونا. كما يشارك عدد كبير من وزراء البيئة والطاقة والمياه العرب، بينهم الوزير القطري عبدالله العطية والوزير الاردني خالد الايراني والوزيرة العراقية نرمين عثمان والوزير اليمني عبد الرحمن فضل علي الارياني، والامين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عبد الرحمن العطية والمدير العام لصندوق اوبيك للبيئة الدولية سليمان الحربش.
وتخصص جلسة عامة في المؤتمر، الى جانب ثلاثة اجتماعات جانبية، لمناقشة مبادرة "الاقتصاد العربي الاخضر" التي اطلقها المنتدى، ودورها في مواجهة تغير المناخ. وتنسق هذه الجلسات شعبة الاقتصاد والتجارة في برنامج الامم المتحدة للبيئة، ويشارك فيها مجموعة من رؤساء الشركات العربية، الذين يقدمون عروضا لتجاربهم في مجال التزام المعايير البيئية وتعديل انماط الانتاج.
ويذكر ان المنتدى يضم في عضويته عددا كبيرا من المؤسسات العامة والخاصة والتربوية، بينها بعض اكبر الشركات العربية ومراكز الابحاث وهيئات المجتمع الاهلي، بينما تشارك هيئات البيئة الحكومية بصفة اعضاء مراقبين. ومن اعضاء المنتدى المشاركين في لبنان بنك عوده و"آفيردا – سوكلين" و"النهار" والجامعة اللبنانية الاميركية وكلية ادارة الاعمال في الجامعة الاميركية ببيروت وجمعية الثروة الحرجية والتنمية ومنظمة "إندي آكت" وجمعية سيدرز للعناية والبيت اللبناني للبيئة.
وكان المنتدى اطلق برنامج "الاقتصاد العربي الاخضر" من خلال سبع ورش عمل اقامها خلال الشهرين الاخيرين في بيروت والمنامة والكويت والظهران والشارقة وابو ظبي وعمان، شاركت فيها 220 شركة خاصة و30 مؤسسة من القطاع العام، وخلصت الى تأمين لجان متابعة ستقدم تقاريرها الى المؤتمر السنوي في بيروت.
ويعقد مجلس امناء المنتدى اجتماعه السنوي في بيروت في 18 تشرين الثاني، للبحث في تقارير العمل وبرنامج 2010. وينتمي اعضاء المجلس الى 14 بلدا عربيا، بينهم من لبنان الرئيس سعد الحريري والنائب ياسين جابر وجوزف غصوب ونجيب صعب.
.jpg)
بين الموضة والخلاعة شعرة.. هل انقطعت؟
2009 الأربعاء 8 يوليو
نسرين عجب من بيروت : "الملكة رانيا فازت بلقب أكثر نساء العالم أناقة سنة 2003، وكل ملابسها محتشمة. جميل وضروري أن يكون الانسان أنيقاً ولكن هناك فرق شاسع بين الأناقة والخلاعة التي تجتاح مجتمعنا حالياً". جملة قالها الدكتور سامي مكارم، الأستاذ المحاضر في الجامعة الاميركية، في احدى ندواته واستوقفت الكثير من الحاضرين، وهي تطرح تساؤلاً جوهوياً: الى اي مدى أدى الانقياد خلف الموضة الى تخطي القيم، وهل أصبح المجتمع يعاني الخلاعة؟؟
ما هي الخلاعة؟ أول ما يتبادر الى ذهن دجى (25 عاماً) الخلاعة في الملابس سواء عند الفتيان أو الفتيات، وثاني شيء تفكر به تصرفات الشباب التي لا تستطيع أن تفسرّها اذ تشعر أنه لا قيمة عندهم للحياة، وجلّ ما يهتمون به كيف سيسهرون ويتمتعون بأوقاتهم!! وتعيد ذلك الى سبب من اثنين اما الكبت أو المشاكل النفسية، محمّلة الأهل والمجتمع مسؤولية ما يحصل، من دون أن تغيّب التأثير الكبير لدور الاعلام "لأن الجيل الجديد يقلّد كل شيء يراه عبر الشاشة الصغيرة". وتبدي حيرتها مما يحصل بالشباب اللبناني، اذ من جهة تلمس أنه من أكثر الشباب علماً وثقافة، ومن جهة أخرى، تجده تابعاً بطريقة تفكيره وتصرفاته لنمط الحياة الغربي.
يُعرف عن الشباب اللبناني أنه منفتح ومتحرر، وتطغى صورة نمطية في المحيط الضيق أنه متفلت من القيود والأخلاقيات. ومع أن معظم الشباب العربي ينظر الى الشباب اللبناني بعين الغيرة على اعتبار أنه يعيش في جنةالحريات،الا أنه يوجه له الانتقادات اللاذعةالتي تخرج في بعض الاحيان عن حدودالمنطق لتصبح تعميمات جائرةعلى شعب بأكمله
أين لبنان من حقيقة هذه الصورة؟ وكيف يقرأ الشباب اللبناني الواقع؟
الحق يعلو ولا يعلى عليه، والحق ان من يراقب الواقع اللبناني يلاحظ أن طفرة غريبة تجتاح المجتمع بشكل رهيب، اذ ان شريحة كبيرة من هذا المجتمع خلعت ثوب القيم وانساقت خلف ما تدعي انه تحضّر لتمارس الكثير من الشواذات تحت اسم الحرية، وعلى حد قول مدام رولاند: "أيتها الحرية.. كم من الجرائم تقترف باسمك؟
أسباب هذه الصورة النمطية كثيرة، ولا تتوقف عند الخلاعة التي تمارس في الوسط الفني وعلى شاشات التلفزة والتي أفرغت الفن من مضمونه، لدرجة أن الكثير من الفنانين صرّحوا مراراً أنهم فضّلوا الابتعاد لأن الواقع الفني أصبح مخجلاً، وكأهل لا يسمحون لأولادهم بمشاهدة الكثير من المحطات التي تحوّل فيها الانتاج الفني الى تفقيس آلي، كل يوم فتاة جديدة تغني وهي داخلة الى الدوش أو خارجة منه، عدا عن الايحاءات والحركات التي أقل ما يقال فيها أنها مبتذلة.
ومع الوقت بدأ الواقع الاجتماعي يتحول الى مرآة للواقع الفني، وبدأت الخلاعة تتحول الى نمط عيش يفرض نفسه بالقوة. وفي هذا الصدد، تقول رندة (27 عاماً) ان الخلاعة أصبحت جزء لا يتجزأ من المجتمع، وتحوّل التأشير بالأيدي الى الفتاة المحترمة على اعتبار أن زمن المحافظة ولّى، والخلاعة هي نوع من أنواع التحضر والانفتاح.
وتلفت الى أن هناك أشياء كثيرة تدعم هذا النظرة، أهمها الاعلام الذي أخرج الأمر من حدود الظاهرة وكرّسه كواقع وصورة للمجتمع اللبناني التي تتعزز على هذا الاساس. ويشاطرها الرأي عمر (30 عاماً) الذي يعتقد أنه مع الوقت سوف يقتنع ان الخلاعة هي الصح. ويبدي صدمته من التحولات التي طرأت على المجتمع اللبناني والخلاعة التي اقتحمته "يقلّدون الغرب ولكنهم تخطوه بأشواط، أنا عشت في أميركا ولكن الخلاعة في لبنان أكثر بمليون مرة من أميركا".
ويعلّق شادي (27 عاماً) الذي يعمل في ملهى ليلي: "أصبحت الخلاعة جزءاً من تراثنا السياحي، نلتقط الموضة من الغرب لتتحول عندنا الى خلاعة، وأكبر مؤشر على ذلك ازدحام الملاهي الليليلة برواد يستبيحون كل شيء بعد أن أسقطوا كل المحرمات". ويشير الى أن الفن يلعب دوراً كبيراً في الترويج للخلاعة، وبتهكم يسأل: "هل ينجح فيديو كليب من دون فتيات يرقصن بشبه ملابس مع ايحاءات وايحاءات؟"
يفسّر وليد (29 عاماً) هذه الظاهرة بأن بعض الأشخاص يسيئون استخدام الحرية فيما البعض الآخر يستخدمها بطريقة مسؤولة، والمسألة متعلقة بثقافتهم ووعيهم. ويعتبر أن ما يحصل طبيعي جداً وهو نسبي نظراً لارتباطه بالمحيط والمجتمعات والمؤثرات الخارجية. وبالنسبة اليه، لكل انسان حرية التصرف كما يشاء شرط الا تؤذي حرية الآخرين، والافضل أن يصل المجتمع الى مرحلة يقرر أفراده ماذا يريدون بعد التجربة.
وعن سؤال اذا كان يتزوج من فتاة تتصرف بطريقة خلاعية، يجيب: "ليس من الضروري أن أكون ضدها اذا لم أتزوجها، فأنا سأتزوج الفتاة التي تناسب تفكيري، وما يهمني مضمونها وليس خارجيتها". الا أنه يبدو واضحاً أنه سيتدخل بطريقة لبسها وتصرفاتها وان كان يؤكد عدم فرض رأيه عليها.
في المحصلة، قد تكون موجة الموضة اجتاحت المجتمع اللبناني وجلبت ما جلبت معها من التحولات السلبية في نمط العيش، ولكن ذلك لا يعني أن الصورة واحدة في كل المجتمع، فكما هناك منساقون في هذه الموجة، هناك معارضون لها… لذا من المجحف التعميم. ولكن ذلك لا يعني التغاضي عما يحصل، فمن العبث أن يكون المرء كالنعامة يخفي رأسه تحت التراب ظناً منه أن لاأحد يراه..هناك مشكلةويجب معالجتها قبل أن تستفحل أكثر، وقد يكون الاعلام مطالباً أكثر من غيره لحلها.
حكومة (لويا جيرغا)
داخلية وخارجية
رفيق خوري
ليس من المعقول أن يحتاج تأليف حكومة لبنان الى انتظار الرهانات على حلول لمشاكل الشرق الأوسط والعلاقات بين دوله ومع أميركا وأوروبا. ولا من المقبول أن تكون الحلول الملحة لقضايا اللبنانيين ومشاكلهم والهموم في آخر سلّم الاهتمامات. لكن هذا، مع الأسف والحزن والغضب، ما يحدث وما صار مألوفاً ومسلماً به في السر والعلن، فالوطن الصغير يبدو في تأليف الحكومة محكوماً، مثل الأرض، بدورتين: واحدة حول نفسه ورغبات زعاماته وحساباتها، وأخرى حول المنطقة والعالم وحسابات الدول المؤثرة ومصالحها. والاسم الرمزي للدورتين هو الدوران حول الثلث المعطل.
ذلك أننا ننتقل، نظرياً، من فصل مشاورات خارجية نجهل الكثير فيها الى فصل مشاورات داخلية نعرف عقدتها، وسط خداع النفس حول وجود فاصل بين ما يدور هناك وما يدور هنا. لا بل وسط أحاديث عن عدم التدخل في الشؤون الداخلية، ورهانات على التدخل، وتحليلات تضع الكلام الخارجي على عدم التدخل في باب تعقيد الأمور عبر أدوار لبنانية. فالظاهر أن (أم المعارك) هي الحكومة، لا الانتخابات. والمخفي أعظم بالطبع.
أما الحصيلة، حتى الآن، فإن الانطباع السائد هو اختصارها بثلاثة أمور. أولها إن الأزمة أعمق من أن تحلها حكومة مهما يكن شكلها. وثانيها تهميش (لبنانية) الحكومة من قبل أن يتم تأليفها، وإن قيل إنها ستكون من ماركة (صُنع في لبنان)، وهبوط ظلال كثيفة على السيادة والاستقلال. وثالثها التصرف كأنَّ الانتخابات لم تحدث، أو كأنها مجرد طقوس لا تقدّم ولا تؤخر ولا دور لها في اللعبة السياسية.
والواقع أن المشاورات لا تزال في دائرة التركير على الحصص والأرقام في الحكومة. فالغائب الكبير هو التباحث في رؤية وطنية مشتركة للبنان معاصر أو أقله البحث عنها خارج الشعارات الموحدة في الشكل والمختلفة في النظر الى مضمونها، إن لم يكن المضمون فارغاً أو من النوع الخطر على لبنان وموقعه. والحاضر هو تحويل النظام البرلماني نوعاً من نظام الـ (لويا جيرغا) في أفغانستان، ولو على الطريقة اللبنانية. أي نظام الإجماع وتوزيع الحصص بين الطوائف والمذاهب والكتل والزعامات، كما هي الحال بين الأعراق والقبائل والزعامات في أفغانستان. وإذا كانت أفغانستان توضع في خانة (الدول الفاشلة) لأسباب بنيوية داخلية وأخرى تتعلق بالتدخل العسكري وغير العسكري الأميركي والأطلسي، فإن لبنان لا يزال بعد عقود من الاستقلال في مرحلة الحديث عن (العبور الى الدولة).
ألسنا في لعبة شروط وشروط مضادة يتصور كل طرف أنها من حقه، من دون أن يفكر في واجبه ومسؤوليته أمام الناس?
التأليف في ثلّاجة شروط الأكثريّة ونسبيّة عون
وأخيراً اتفقوا… لكن ليس على الحصص والحقائب، بل على تبريد الأجواء والتعاطي مع موضوع «لاتأليف» الحكومة حتى الآن، بطمأنينة العارف أو المنتظر أو المرتاح إلى تأجيل استحقاق كبير حتى يمر موسم الاصطياف بهدوء
لولا وصف العماد ميشال عون لمساعي تأليف الحكومة بأنها تمرير للوقت، وحديث النائب وليد جنبلاط عن «بعض التعقيدات»، لبدا كأن الجميع مرتاحون إلى وضع أمر الحكومة في الثلاجة بانتظار شيء ما، رغم حرارة الملفات التي تتطلب معالجة سريعة لا تملك مفاتيح حلها حكومة تصريف الأعمال، وأولها مشكلة الكهرباء التي بدأت تنذر بتداعيات كارثية.
أول المُطْمئنين والمُطَمْئنين، هو رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي جزم بعدم وجود أزمة وبأن تأليف الحكومة لا يزال «ضمن فترة السماح حيث انقضى على التكليف 10 أيام لا أكثر»، مذكراً بأن تأليف الحكومة السابقة استغرق 52 يوماً، واستدرك «أنا لا أقول إن علينا أن نصبر 52 يوماً، ولكن على الاقل إن العشرة أيام المنصرمة ربما لم تكن كافية، الآن الرئيس المكلف (تأليف الحكومة سعد الحريري) يقول «تعاونوا على قضاء حوائجكم بالكتمان»، وأنا من رأيه وسأساعده على ذلك ولن أقول إلا «تفاءلوا بالخير تجدوه». ونفى ما يقال بأن الحكومة لن تبصر النور قبل نهاية الصيف.
كذلك عبّر الرئيس أمين الجميّل عن تفاؤل مشروط، فبعدما رأى «أن العقدة لا تزال هي إياها، وتتلخص بنوعية المشاركة للمعارضة»، نقل عن الحريري اطمئنانه للمباحثات التي يجريها و«تفاؤلاً واستعداداً لتأليف حكومة في أسرع وقت». وتوقع الجميّل أن يستغرق التأليف المزيد من الوقت لأن النقاش في التفاصيل لم يبدأ بعد ولا يزال في إطار مبدأ تمثيل المعارضة «ومن المفترض خلال أسابيع قليلة أن تبصر الحكومة النور». وكرّر رفضه إعطاء المعارضة الثلث الضامن، قائلاً إن الأكثرية هي من يحتاج إلى ضمانات «في وجه التعطيل، وبالنسبة لأمننا الشخصي ولعدم تكرار 7 أيار».
وانفرد العماد عون، بوصف ما يجري بأنه لتمرير الوقت، وكشف بعد لقاء تكتل التغيير والإصلاح، إن لقاء الحريري والوزير جبران باسيل أول من أمس «ظل على المبادئ العامة وإعلان النوايا الايجابية من الجهتين، التي نتمنى أن تترجم من الجهتين عملياً في تأليف الحكومة». وأكد ثباته على مطلب تأليف حكومة نسبية فـ«نحن أقلية كبيرة وهم أكثرية صغيرة. هذا ما يجب أن يكون في الحكومة فلغة الارقام واضحة»، حاملاً على متهمي المعارضة بالتعطيل، فـ«من يمكنه أن يحكم مسبقاً أن التركيبة التي نؤلف بها الحكومة فاشلة؟ هي فاشلة لأنهم يريدون تفشيلها، وإن من يسعى للتفشيل هو من يفرض الشروط من الخارج»، و«عندما لا يوافق ثلث مجلس النواب على قانون معروض عليه، فهل هذا يعني أن المجلس معطل؟». وقال إنه سمع أول مرة بأن «لا ثلث معطلاً» في الحكومة المقبلة «من مصدر أميركي في واشنطن ثم من مصادر عربية».
ورفض التوزيع المسبق للحقائب «لا نقبل أن يقال إن وزارة الداخلية لفلان والخارجية لفلان، فلا أحد يأخذ شيئاً مسبقاً»، داعياً إلى درس التوزيع «فليس هناك أولاد ست وأولاد جارية في الحكومة». وانتقد «من حاولوا البحث في تأليف الحكومة خارج لبنان»، فـ«من يسأل الخارج هو أقل منا إخلاصاً للبنان» و«سلوكنا سيلبنن الأمر مهما كان ما اتفقوا عليه في الخارج». وقال: «أنا أحس أنني أقرب الى سعد الحريري من أي شخص عربي ولو كان صديقاً». ورأى أن خلفيات المباحثات العربية الأخيرة هي الوضع في المنطقة «فأنا لا أصدق أن الدول العربية تجتمع لترى إذا كانت ستعطينا وزيراً بالناقص أو بالزائد».
وفي مجال آخر، توقف عون أمام استخدام الأمين العام للأمم المتحدة عبارة «مزاعم الحكومة اللبنانية عن وجود خلايا تجسّس إسرائيلية»، ورأى أن هذا الكلام مهين للحكومة «ولكل واحد منا»، و«لا يجوز أن يتعامل معنا العالم بهذه الخفة وقلة الأدب وقلة الاحترام». وأضاف: «لا نقبل بأن يكون كلامنا مزعوماً وكلام إسرائيل بصورة التأكيد». ولم يستبعد ارتباط سياسيين بموضوع التعامل «وهناك من يهربون الى أماكن أخرى غير إسرائيل وقد يكون لهم ارتباط بأشخاص من الصف الأول».
أما النائب وليد جنبلاط، الذي قصد البطريرك الماروني نصر الله صفير في الديمان أمس، فقال إنه وضعه في تفاصيل الجو السياسي وبعض التعقيدات أمام تأليف الحكومة «وركزت على الوضع الاقليمي، وأهمية الحوار السعودي ـــــ السوري لإنتاج الوزارة، لأن هناك تدخلات دولية وعربية لمنع هذا التدخل».
وعن أسباب الزيارة، قال جنبلاط إنها تأتي بعد سوء التفاهم الذي حصل نتيجة ما نشر في التسجيل الهاتفي خلال لقائه بالمشايخ الدروز، مشيراً إلى أنه اعتذر في ذلك الوقت عبر مؤتمر صحافي، «ووعدته بزيارة لكن لم أرغب في أن أزوره قبل الانتخابات حتى لا تفسر الزيارة انتخابياً».
وفي المواقف العامة من تركيبة الحكومة، رأت كتلة الوفاء للمقاومة، أن المرحلة تتطلب حكومة وفاقية تستجيب للتطلعات نحو الاستقرار وتكريس المصالحات وتعزيز قدرة الدفاع عن الارض وحماية السيادة. فيما اتهم مسؤول منطقة البقاع في حزب الله محمد ياغي، قوى في 14 آذار بـ«وضع العراقيل والعصي في الدواليب، والضغط على الرئيس المكلف لتأليف حكومة عنوانها 14 آذار»، مضيفاً «إن الرئيس المكلف، مهما كان اسمه وعنوانه، ما زال رئيس حكومة لبنان وليس رئيس حكومة لفئة».
وفي المقابل، أعلنت الأمانة العام لقوى 14 آذار، في اجتماعها الدوري أمس، شروطها «على الحكومة العتيدة، تأليفاً وبرنامجاً»، ومنها: التزام اتفاق الطائف والدستور، التزام الإجماعات العربية المعبّرة عن المصلحة العربية المشتركة، والتزام قرارات الشرعية الدولية وفي مقدمها القرار 1701، وأضافت أنها «لن تألو جهداً في دعم الرئيس المكلف ومساعيه المبذولة لهذه الغاية، ولن توفر اعتراضاً على ما يمكن أن يخالفها».
سليمان فرنجيّة… الدور المستعاد
ابراهيم الأمين
لم يغب سليمان فرنجية عن المشهد قط. في السنوات السابقة، كان الرجل في قلب الحدث، لكن واقعه السياسي تأثر بأمور كثيرة. خسر الانتخابات النيابية. كرّس العماد ميشال عون زعيماً للمسيحيين. عاد سمير جعجع إلى العمل ضده في الشمال وفي منطقته تحديداً. تولت الولايات المتحدة الأميركية والسعودية تغطية منافسيه المحليين وتمويلهم، ولا سيما آل معوّض، بينما تولى البطريرك الماروني نصر الله صفير تغطية منافسيه داخل العائلة ودعمهم، ولا سيما سمير فرنجية. أما تيار «المستقبل»، فقد واصل حملة تحريض طائفية عليه بقصد محو تأثيره السياسي في طرابلس ومناطق شمالية، وخصوصاً عند السنّة، فيما كان الفريق الحليف له في لبنان أو في سوريا في موقع دفاعي.
لكن فرنجية لم يتصرف للحظة واحدة على قاعدة أنه انهزم. لم يجد ما يبرر أي تبديل في موقفه السياسي أو حتى في تحالفاته. وعندما صار قريباً وحليفاً للعماد عون، لم يفعل ذلك على طريقة «بقايا» غازي كنعان، كما هي حال المتن الشمالي. صارت علاقته أوثق بحزب الله وقامت صداقة بينه وبين السيد حسن نصر الله. لم يتوقف عن نقده اللاذع لمن يرى ضرورة لذلك، ولم يعمد إلى استغلال وصول العماد ميشال سليمان إلى رئاسة الجمهورية، بل قد يكون هو الوحيد الذي قال له كلاماً واضحاً وقاسياً في أثناء التفاوض السابق لانتخابه، وهو الوحيد الذي حافظ على ودّ معه حتى في ظل الانتخابات الأخيرة.
في 7 حزيران الماضي، كان فرنجية وأنصاره على موعد مع معركة استرداد الموقع التمثيلي. قانون القضاء أنصف فرنجية، ولو أنه أضر بالآخرين، والحشد الاستثنائي الذي وقف بوجهه مع كمية الأموال الهائلة لم يحُل دون رفع فرنجية قوته التجييرية في القضاء بما نسبته 15 إلى 20 في المئة، عمّا كانت عليه في عام 2005. ومع ذلك، أخذ في الاعتبار ـــــ ربما أكثر من غيره ـــــ هذه النتائج، ووجد فيها ما يوجب العمل بطريقة مختلفة، وعلى صعد مختلفة.
المراجعة التي يقوم بها فرنجية، أتاحت له أن يتحدث بصراحة عما يعتقد أنه خطأ في التكتيك والممارسة وخلافه. قال هذا الكلام في جلسات عدة جمعته إلى العماد عون، وفي لقاء تقويم مع السيد نصر الله، وفي لقاء مراجعة شاملة عقده أخيراً مع الرئيس السوري بشار الأسد.
يعود فرنجية اليوم أقوى من السابق. صحيح أنه كان في قلب دائرة القرار في تجمّع قوى المعارضة، لكنه لم يكن ينزع في اتجاه أدوار يعتقد أنها ليست له، فظل على الدوام في موقع من يقدم استشارة أو نصيحة أو أكثر من ذلك، لكنه اليوم في قلب دائرة القرار، ولديه موقفه المؤثر في الآخرين من الشركاء والحلفاء. وبقيت ثوابته هي هي: العماد عون الرمز السياسي الأول لدى المسيحيين، وعنده شخصياً. والمغريات التي تقدم إلى فرنجية مباشرة أو مواربة من فريق الأكثرية ورعاته الإقليميين لا تفيد في زحزحته قيد أنملة عن موقعه اللصيق بعون، وهو لن يقدم على أي خطوة تجاه ملف الحكومة أو مؤسسات السلطة إلا بالاتفاق مع عون، وهو أصلاً يجمّد صلات كان يمكن القيام بها لإشعار الجميع بأن من يفكّر بفك ارتباطه مع العماد عون إنما هو واهم.
وفرنجية الذي يقوم الآن بمراجعة، ويدعو إلى التفاعل مع التطورات الجارية من خلال توسيع دائرة التواصل والحوار مع الجميع، لا يقوم بذلك رغبة في انتزاع مساحة إضافية، وحواره القائم مع سامي الجميّل له حدوده في السياسة. والودّ مع الرئيس سليمان لا يجعله يقبل بأي تنازل من حصة المعارضة لمصلحة الرئيس في تركيبة الحكومة الجديدة. والتواصل غير المباشر القائم مع سعد الحريري من خلال مساعده قبلان يمّين لا ينشط كفاية، وفرنجية ليس حزيناً على ذلك، وهو الآن من الصقور في المعارضة، ولا يجد ما يفرض التنازل عن الثلث الضامن تحت أي اعتبار، وهو يعرف سوريا ولم يكن يحتاج إلى أن يسمع من الأسد: لن نقدم على شيء دون موافقتكم.
في الفترة المقبلة، سيقدم فرنجية على خطوات إضافية لتعزيز مواقعه ومواقفه. وهو في الشكل سيكون حاضراً دائماً، مع ما يفرض ذلك من خطوات، بما فيها استعداده للانتقال قريباً للإقامة في منزل جديد في بيروت أو ضواحيها. وسيكون في قلب النشاط السياسي لكتلة التغيير والإصلاح، وعلى تشاور مفتوح ومباشر مع قيادتي حزب الله وحركة أمل، وسيدرس جيداً طريقة مشاركته في الحكومة المقبلة، ولا سيما أنه ما زال مصرّاً حتى اللحظة على عدم حضوره شخصياً، بل يريد حقيبة فعالة.
يدخل سليمان فرنجية الآن مرحلة ممارسة الدور المستعاد، مع خبرة أكبر وقدرة على المواكبة ستجعل إقامته في بيروت عنواناً سياسياً إضافياً.
لبنان ولعنة سيزيف Sisyphe
بقلم المحامي منير رزق
تقول الاسطورة الاغريقية القديمة ان "سيزيف" Sisyphe، ملك قورنتس Corinthe الخرافي، انزل به "زوس" Zeus، كبير وسيد آلهة الاولمب Olympe، قصاصا في الجحيم يقضي بان يدفع صعودا على منحدر جبل صخرة كانت تهوي دائما قبل بلوغ القمة، وكان عليه ان يعاود هذا العمل باستمرار الى ما لا نهاية.
لقد دخلت اسطورة "سيزيف" في الادب العالمي وجعل منها الاديب والفيلسوف الفرنسي "ألبر كامو" Albert Camus، في كتابه الذي يحمل ذات الاسم: “اسطورة سيزيف" Le mythe de Sisyphe، رمزا للعبث الملازم للحياة البشرية من حيث هي سلسلة متتابعة من الشقاء والمآسي المتكررة الى ما لا نهاية لتصل الى الموت المحتم، فيكون كل ما فعله الانسان في الحياة هباء في هباء.
وحياة الشعوب شبيهة بحياة الافراد؛ فمثل الافراد تكافح الشعوب لتحقق ذاتها، ومثلهم تنوء تحت مشيئة القدر. وكما يتساءل الفرد عن معنى الحياة وغاية الوجود كذلك تطرح الشعوب على نفسها السؤال الاساسي: ما هو الهدف، وهل يستحق هذا العطاء؟
ولبنان يبدو تاريخه في نظر ابنائه صراعا مستمرا في سبيل تحقيق حلم الوطن الجامع لعائلاته الروحية ضمن دولة مستقلة ومزدهرة في وجه قدر عابث لا ينفك يبدد الحلم ويقتل النخوة والعزم.
فعندما يقف الانسان اللبناني مستعرضا تاريخ وطنه تتراءى له صور الماضي المؤلمة تتقاطع مع لوحات الفرح والعطاء في تسلسل عبثي شبيه بمشهد صخرة "سيزيف" التي ما ان تقارب القمة حتى تتدحرج الى السفح مجددا.
وازاء هذه اللوحات التي تمر امام ناظري الانسان اللبناني كشريط مصور من تاريخ وطنه لتبرز له محطات العذاب المجبولة بالدماء والدموع والمتقاطعة مع لحظات الامل والحلم والعزم والارادة، كان لا بد لهذا الانسان من ان يتساءل عن الجدوى من هذه العذابات المتتالية ومن تكبد تلك الآلام في سبيل تحقيق حلم وطن، بل عن مدى جدارة هذا الوطن للحياة.
فما هو المغزى من اجتماع العائلات الروحية المكونة للوطن اللبناني على هذه البقعة من الجغرافيا؟ وما هي الاسباب التي تبرر وجود لبنان وتبرر التضحيات التي يبذلها الشعب اللبناني بكل عائلاته الروحية في سبيل استمرار هذا العيش المشترك؟
وهل هناك لعنة ترصد هذا الوطن كلعنة "سيزيف" في الميتولوجيا الاغريقية القديمة؟ وهل تتماهى اسطورة "سيزيف" مع تاريخ الشعب اللبناني في معاناته العبثية الملازمة لهذا التاريخ؟
لقد تلاقت العائلات الروحية المكونة للوطن اللبناني على طول الساحل الممتد شرق البحر المتوسط وفي الجبال المشرفة على سهوله شرقا وغربا، هربا من الاضطهاد الذي تعرضت له كأقليات، فعثرت في هذه الجبال على ملجأ تحافظ فيه على حريتها وكرامتها، ومن ثم بفعل عوامل الجوار والجغرافيا والدوافع الاقتصادية والاجتماعية اختلطت مع سكان مدن الساحل المنفتحة على مختلف التيارات الحضارية.
وقد شكل الاختلاف بينها قوة الجذب التي وحدتها في اطار الوطن الحاضن الجامع، ذلك ان هناك اغراء مثيرا في العيش مع الآخر المختلف وهناك رتابة في العيش مع الآخر المشابه. فالآخر المختلف يثير الفضول، يرفع التحدي، يغني الفكر، يحرك الخيال ويضيف على الحياة رونقا وجمالا.
ان تعايش العائلات الروحية المكونة للشعب اللبناني على مدى عشرات السنين، بل على مدى قرون، جنبا الى جنب في هذه القرى المبعثرة في ارجاء الجبل اللبناني كما في سهوله وفي مدنه وفي بلداته الساحلية، قد ولد تفاعلا بين وجدان هذه العائلات الروحية اختمر طويلا وسار بطيئا مع الزمن واغتنى بتراث كل من هذه العائلات الديني والفكري والثقافي والحضاري وانتعش دوما بتبادل التقاليد والعادات وبحب معرفة الآخر، ما ادى بفعل عامل الزمن الى قبول الآخر والى رغبة صادقة في العيش معه والاستمرار معه.
الا ان هذه الرغبة الصادقة في العيش والاستمرار معا، ما كان ليكتب لها ان تستمر في الزمن بلا حلم كبير، ارتسم في اللاوعي الجماعي لهذه العائلات الروحية في صورة وطن حاضن لعائلات من ديانات وطوائف مختلفة تنمو وتتفتح في مناخ من الحرية وتحقق ذاتها بالكرامة وتتفاعل مع بعضها بالاحترام المتبادل.
ان لبنان بتعدد عائلاته الروحية وتنوعها هو بمثابة مثال مصغر للعالم. ففي عالم اليوم، ومع تطور العلوم والتكنولوجيا، خصوصا بعد ثورة الاتصالات الهائلة والمتسارعة، اضحت شعوب الارض كلها محكومة بالتواصل وبالعيش المشترك على سطح هذه الكرة الارضية عبر المشاركة في اتخاذ القرارات المصيرية التي تحدد مستقبل البشرية ومصيرها.
ان نجاح التجربة اللبنانية واستمرار صيغة العيش المشترك يبقي الامل في ان اهل الارض قادرون على العيش معا بسلام وعلى ابتكار الاطر اللازمة لتحقيق هذا الهدف بالرغم من الاختلاف في الحضارة وفي الثقافة وفي العرق وفي الدين.
فلبنان هو مستقبل العالم ومصيره، واذ خبا المثال اللبناني قد يدخل العالم في دياجير التعصب والتطرف.
الا انه حتى لو قدر لهذا الحلم اللبناني ان يتبدد وللتجربة اللبنانية ان تتوقف ولصيغة العيش المشترك ان تتعطل، فسوف يبقى "المثال اللبناني" خميرة للانسانية ومنهلا تغرف منه الاجيال الآتية عند كل مفترق مستقبلي يهدد تعايش البشر في هذا العالم.
ان مثال العيش المشترك المنبثق من رحم الوطن اللبناني مهيأ ليكون مصيره كمصير سابقه المثال الديموقراطي الذي ولد في مدينة اثينا الاغريقية خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد على يد قادة كبار امثال "سولون" Solon و"كليستين" Clisthene و"بيريكليس" periclès.
فالمثال الديموقراطي في اثينا اجتاز عصر هيمنة الامبراطورية الرومانية المطلقة على شعوب البحر المتوسط، وتخطى حقبة همجية اجتياحات البرابرة لمعالم الحضارة، كما عبر ظلمات العصور الوسطى التي ارخت ظلالها على الابداعات الفنية والحرية الفكرية في اوروبا تلك العصور، ليتفتح هذا المثال مجددا خلال الازمنة الحديثة في اوروبا الغربية فكرا وثورات هدمت صروح الملكيات المطلقة، واسست لقيام الديموقراطيات الحديثة، فغيرت مجرى التاريخ.
ان مثال العيش المشترك في لبنان سوف يبقى ذخيرة وذخرا للمستقبل الانساني وقيمة انسانية ملازمة لكرامة الانسان وحقوقه، وسوف يخترق حواجز الزمن حاملا الى اجيال الغد رسالة المحبة والتسامح ولن تقوى على تدميره اصنام العصبيات والتطرف.
ان "البر كامو" في كتابة "اسطورة سيزيف" اعتبر ان "سيزيف" هو البطل العبثي، وان القصاص الذي انزلته به الآلهة هو اكثر القصاصات شدة كونه قائما على العمل غير المجدي وبلا امل حيث الانسان يشقى كي لا ينجز شيئا.
غير ان "كامو" انقذ بطله من الدائرة المفرغة مكتشفا معنى لعمله العبثي، معتبرا ان النزول صوب السفح يمكن ان يتم بالفرح، وان الصراع نحو القمم كاف بحد ذاته ليملأ قلب الانسان.
ان مجرد التفكير في عدم جدارة الوطن اللبناني للحياة يجعلنا نرضخ لحتمية زوال التراث الذي خلفه لنا آباؤنا، ولنهائية موت الشهداء من اجدادنا واسلافنا الذين نحبهم والذين آمنوا وعملوا في سبيل تحقيق المثال اللبناني، وكأننا نتخلى عنهم في الموت ونثبت عبثية مشاعرنا الاكثر تجردا والاكثر سخاء تجاه من نحب.
ان الوطن اللبناني لم ينجز بعد، وهو لا يزال يسير في دروب التطور الذي هو الوجه الحقيقي لعملية الخلق.
ان المستقبل قد يكون مظلما، لان الحياة تصنعها الاخطاء ايضا.
وحدها مسيرة التطور تحدد المصير.
يبقى الايمان في ان الانسان لا يزال ينحت تاريخه ويرسم قدره.
ان لبنان يستوجب فعل ايمان.
المطلوب إبعاد الدولة والمؤسسات عن المذهبية والطائفية
بقلم الخوري اسكندر الهاشم
"الطوائف تحيا داخل حدودها النفسية وهي التي تباعد في ما بينها، لان حدودا وجودية تفصل الواحدة عن الاخرى". Bennasser
لا احد يستطيع اقناعنا بان الوطن اللبناني يسير الى الامام، او يتوجه صوب اقتناعات سياسية واخلاقية تعيد اليه رونقه وبهاءه ورسالته. سقوط المذاهب في المحظور اعاد عربة لبنان الى الوراء وابرز مقدار الهوة القائمة بينها وبالتالي مكانة الوطن ومستقبله في ضمير هذه المذهبيات والطوائف. ان الحصانة الجديدة للمذاهب المتأتية من مواجهاتها ومن تمسكها بمصالحها وثقافتها وقوتها الذاتية والتي تعيد نسج وسبك وحياكة انسان منقطع الاوصال عن اخوته وذلك من خلال تربية ضيقة ومن مواجهة وصدام مع الآخرين تبرز حالة لبنان وتؤكد ان ورشة كبيرة امام الدولة والنظام والمؤسسات، والتحدي الكبير اليوم ليس في تأليف حكومة متجانسة او حكومة ترضي الاطراف المتنازعين والمتصارعين. التحدي الابرز هو اعادة ترميم الثقافة الانسانية، وترميم العلاقة المقطوعة بين المجموعات اللبنانية.
1 – لا سياسة اليوم
كيفما تطلع المراقب، يجد ان الخيارات السياسية معدومة داخليا وان الاثر الداخلي المباشر على التوجهات السياسية يكاد يكون في خانة الصفر. اصبحت الاملاءات والتوجهات تأخذ بعدها الاقليمي والدولي. لم يعد سوى هامش صغير للحركة السياسية الوطنية كيف نستطيع بناء وطن؟ وكيف نمضي قدما في اتجاه المصالحات ووضع اسس سياسية للتضامن الوطني الحقيقي، وفي كل جهة نجد مواطنين مستعدين للدفاع عن سياسات خارجية ومحاور اقليمية ودولية، وهم على استعداد للمواجهات الدموية في كل لحظة بمجرد توجيه انتقاد لهذا الخارج الذي يضغط بشدة على مفاصل السياسة اللبنانية؟ ان ملفات كثيرة ولدت مع ولادة لبنان الكبير وقد اضيفت اليها ملفات لا يستطيع هذا الوطن البائس احتمالها، غير ان اصحاب هذه الملفات ماضون في ضغوطهم وتحدياتهم لتمريرها خدمة لمصالح التوازنات الاقليمية والاسرائيلية والمحاور المذهبية. اضف اليها مناورات سياسية موسمية يحاول اصحابها الايحاء بانهم يمسكون بالوضع الامني الداخلي وانهم قادرون على حماية السلم الاهلي وهم في الواقع لا يستطيعون فتح ملفات او اغلاقها لانهم ليسوا اصحاب القرار الرئيسي لا في العملية الامنية ولا السياسية. فهل السلطة السياسية والامنية ممسكة بملفات الاجانب المقيمين على الاراضي اللبنانية، لجهة تاريخ دخولهم وصلاحية اقامتهم ونوع عملهم، وعناوينهم؟ واذا كان الجواب بالايجاب، فلماذا نرى وبوضوح اعدادا كبيرة من الغرباء من كل جنس ولون يقيمون على الاراضي اللبنانية بدون اوراق قانونية، يتزوجون ويزوجون، ويزاحمون اللبنانيين في لقمة عيشهم من خلال القيام باعمال يستطيع اللبناني القيام بها ولكنه لا يقبل الاجر الذي يتقاضاه هؤلاء لان عليه مستحقات وموجبات… ثم نعطيهم الجنسية!
ان الكلام على هذه القضية، هو من باب اصلاح البيت الذي نسكنه جميعا، وعلينا ان نكون يقظين، لئلا يخسر اهل البيت كرامتهم وحقوقهم وهذا الكلام ليس من باب العصبية او الاستعلاء، لكن المسالة اخذت اليوم بعدا وجوديا في وطن لا تتجاوز مساحته جلد الخروف وفي لحظة تاريخية صعبة تستدعي منا اليقظة والحيطة لا كرها بالغريب، بل حرصا على الامن الوطني والسلم بين مجموعات الوطن وعلى الامن الاجتماعي لكل فئات الشعب اللبناني.
2 – بيوع الارض
اضف الى ذلك حركة بيوع الاراضي دون رقيب او حسيب، ودون وقفة شجاعة من المرجعيات الروحية والسياسية. نحن اذاً امام مظاهر جديدة تدل على تغيير في وجه لبنان، بل على شرائه بالكامل، ولا يعتقدن احد، انه رابح في هذه العملية الجارية، او ان الامر يتوافق مع مصالحه الشخصية او مصلحة طائفته ومذهبه، غدا ستظهر الحقيقة وسيبدو الوطن ارضا تتزاحم فوقه توجهات ثقافية واثنية ليست متوافقة مع طبيعة اللبنانيين وارثهم الاجتماعي وثقافة العيش المشترك.
3 – اننا امام مأزق وجودي
لا مستقبل لمجموعة مذهبية بمفردها، ان لم تعمل على سبك وصهر قواها مع القوى المذهبية الاخرى من اجل تمتين العيش المشترك الذي اصبح واجهة بدون مضمون، وارساء دولة العدالة والقانون واحترام الانسان، ولا مستقبل للوطن، ان لم تعد السياسة فنا اساسيا داخليا يلزم قادة لبنان واحزابه باللجوء الى الثوابت الوطنية والانسانية لاخراج وطنهم من محنة التجزئة والمواجهات الى طريق المواطنية الحقيقية والى ارساء قواعد اخلاقية وثوابت يرتكز الجميع عليها كخشبة خلاص اساسية مثل توزيع الدخل القومي توزيعا عادلا، التنمية المتوازنة وابعاد الدولة والمؤسسات عن العصبية المذهبية وايلاء الثقافة الانسانية شأنا اكبر لاخراج المجموعات المنغلقة على ذاتها الى مزيد من التواصل والتفاعل في ما بينها، وفصل الدين عن الدولة وذلك تعزيزا لكرامة الدين ووضعه في خانة الرقيب على القيم والتصرفات ودفاعه عن القضايا الانسانية المحقة بل عن خير كل انسان.
4 – لا احد يملك رؤية واضحة
اننا امام مأزق واستحقاقات كبرى، لا يستطيع احد تسديد فاتورتها وسيدفع لبنان طوعا او قسرا من امنه واستقراره، لانه الوحيد الذي لا يملك قراره الوطني ورؤيته الواضحة لما سوف يكون عليه الوطن، وذلك بعد ربطه بكل صراعات المنطقة القريبة والبعيدة، وزجه في اتون التحالفات والمواجهات وضمور السياسة فيه، وانعدام فرص المصالحة لانها غير نابعة من قناعة داخلية، بل هي ظرفية ومزاجية تبع مواقف الدول الآمرة والناهية في شؤونه المصيرية والحيوية.
ان التفتيت الحاصل في بنيته السياسية والامنية امر خطير يضاف الى ذلك انشقاق وخلاف جوهري في رؤية الحداثة والتطور ومن الموقف من رسالة لبنان ومن جوهر وجوده، بعد ان امسكت الطوائف بناصية قراره والزمته السير وراءها في محاولة جدية ومكشوفة لربط لبنان بمحاور مذهبية وعرقية وحضارية ومن الجحيم الذي سقطنا فيه، فلنعلن معا الايمان بمستقبل انسانيتنا، وقد عملنا مرارا على انقاذها من الدمار وهذا هو الهدف الاكثر قيمة وباستطاعتنا ان نورثه الى الاجيال الآتية من صلبنا جميعا، من الناجين من دمار حرب ضروس اهلية نحمل جميعا مسؤوليتها وليرتبط كل واحد منا بثقافته ومذهبه ودينه شرط ان نضع على مائدة الوطن ما هو الافضل عندنا وفينا، لتتحول مذاهبنا وفي غياب وموت احزابنا الوطنية الى طاقة جمع وليس الى طاقة رفض ومواجهة ولتحرص مذاهبنا وطوائفنا على الوطن اللبناني، حرصها على نفسها لانه السقف للجميع.
فلتجرَ الانتخابات كلّ عام
بقلم ابرهيم عبده الخوري
أما وقد التأم شمل مجلس النواب الجديد وولجه من ولج من النواب القدماء والجدد، ومنهم نواب شباب، فان الايام التي سبقت الانتخابات كانت حبلى بالمفاجآت وأسفرت عن أكثرية نيابية وأقلية.
لقد ترشح الى الانتخابات النيابية مئات اللبنانيين. فصرفوا أموالا طائلة في سبيل المعركة الانتخابية، ومنهم كما قيل من حصل على الاموال من المملكة العربية السعودية ومنهم ايضا من حصل على الاموال من الجمهورية الاسلامية الايرانية. وعلى كل فإن الملايين من الدولارات التي صرفت أنعشت جيوب الذين حصلوا عليها وحملت الى الاقتصاد اللبناني بعض الانتعاش.
لقد حركت الطفرة المالية الحياة عندنا:
سائقو السيارات والباصات العمومية استفادوا رغم غلاء البنزين.
المطاعم أكثرت من السندويشات لتوزع على أقلام الاقتراع.
كاتبو اللافتات الانتخابية والشعارات سهروا الليالي لانجاز ما طلب منهم.
صور المرشحين العملاقة والصغيرة ملأت الشوارع والازقة، والاشجار المعمّرة ازدانت بها.
الاعلانات وبيانات المرشحين وصورهم عمّت الصحف.
حلقات الدبكة والاهازيج اكتسحت الساحات العامة.
خطابات التأييد أمام الميكروفونات للزعيم والبك ووارث الامجاد والبطل الصنديد أصمّت الآذان.
سيرك الانتخابات لم يقفل أبوابه ليلا ونهارا، فقد ولجه الناخبون هذه المرة اكثر مما ولجوه عام 2005 لينتخبوا، مع الاسف، نوابا كانوا انتخبوهم قبل أربع سنوات دون أن يقدموا اليهم خدمات شخصية او خدمات للنهوض بالوطن سياسيا واقتصاديا وعمرانيا واجتماعيا و.. و… وكانوا من زمان يلعنون الساعة التي انتخبوهم فيها، ثم عادوا وصوّتوا لهم من جديد، فيا لضعف البصر والبصيرة.
لقد شهدت الايام الانتخابية تدفق المغتربين من الاصقاع النائية للادلاء بأصواتهم. وكم هي ثمينة هذه الاصوات. وهذا حقهم في المجيء الى الوطن الأم وفي الاقتراع، سواء دفعوا تكاليف السفر او دُفعت لهم هذه التكاليف. المهم انهم عادوا وإن لفترة، الى الديار التي اشتاقوا اليها وهم في غربتهم القاسية.
والمجنّسون أتوا من سوريا معززين مكرمين للادلاء بأصواتهم دون ان يعرفوا لمن سيقترعون.
لقد حركت الانتخابات جيوب المرشحين والنافذين. واستفاد من استفاد. ووصل الى المجلس من وصل ليبقى متربعا فيه طوال أعوام أربعة.
ولما كانت الحركة الاقتصادية انتعشت، وإن الى حين، بفضل الانتخابات الاخيرة، فانني أقترح ان تجرى الانتخابات كل عام بحيث يكون النائب على صلة وثيقة بمؤيديه فيخدمهم بصدق وتفان كي يعودوا وينتخبوه في دورة جديدة، وتصرف الاموال، وتشترى الضمائر. وتتصدر صور المرشحين واللافتات كل الامكنة المكشوفة والمستورة. وتصادر الهويات ويحل المجنسون سنويا ضيوفا على صناديق الاقتراع فيتعرفون على لبنان الاخضر واليابس. ويعود المغتربون بكثافة الى وطن الارز لملاقاة صناديق الاقتراع أولا، والخلان ثانيا. وتهطل الدولارات من السموات فتنتعش الاسواق التجارية، ويكون موسم الصيف واعدا كما هو واعد الآن.
إن إجراء الانتخابات النيابية كل سنة كفيل بحمل النائب على خدمة مواطنيه الخدمة المثالية. وإلا فالانتخابات المقبلة بعد سنة ستخذله، وتأتي بغيره ليمثل الشعب، إن هو قصّر في واجباته النيابية. وتتدفق الاموال يمنة ويسرة لتحمل بعضا من البحبوحة الى جيوب المقهورين والكادحين.
ندوة «حق العمل للفلسطينيين في لبنان»:
قانون العمل لا يراعي خصوصية اللاجئ
زينة برجاوي
«لكل شخص الحق في العمل، وفي الحماية من البطالة، وفي حرية اختيار عمله بشروط عادلة ومرضية». يرتكز الفلسطينيون في لبنان، من القوى العاملة أو القادرة على الإنتاج، على هذه المادة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان للمطالبة بحق العمل وبالتالي العيش الكريم. وانطلاقاً من هذه المادة ومضمونها الإنساني الذي يفترض أن ينسحب على العالم كله، أبصرت النور حملة «حق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان»، وهذه المسألة تحتل صدارة القضايا والمشاكل التي يعانيها اللاجئ الفلسطيني في لبنان. وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها استحضار حق اللاجئ الفلسطيني في العمل، في ندوة أو مؤتمر، لكن حتى الآن يبقى الكلام في سياق المطالبة التي دونها عقبات.
بدورها، تشارك «رابطة أبناء بيروت»، شأنها شأن جمعيات عدة، في دعم المطلب، فعقدت أمس الأول، في مقرها، ندوة ضمت لجنة الائتلاف الفلسطيني - اللبناني لتحقيق الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينيين، في إطار حملة «حق العمل»، والتي انطلقت في لبنان بمبادرة من جمعية «النجدة الاجتماعية»، بناء على توصيات دراسة تناولت أثر مشاريع التدريب المهني والقروض الصغيرة على النساء الفلسطينيات، بالإضافة إلى التوصيات الناتجة عن أربع ورش عمل شارك فيها 93 ناشطاً من 22 جمعية ومؤسسة عاملة في المخيمات الفلسطينية. وتهدف الحملة إلى تمكين اللاجئين الفلسطينيين من نيل الحق بالعمل في لبنان من خلال طرح القضية بجدية على الجهات الرسمية.
وتقول منسقة الحملة، نوال العلي، لـ «السفير»، إن الحملة قد انطلقت في العام 2005، بالشراكة مع أكثر من مؤسسة اجتماعية وبدعم من مؤسسات أجنبية، الأمر الذي دفع أصحاب الحملة إلى تشكيل لجنة الائتلاف اللبناني - الفلسطيني. تضيف أن الحملة أعدت دراسة عن المخيمات اللبنانية فتبين أان اللاجئين يشكلون نسبة عشرة في المئة من السكّان، وتساهم نسبة 10,35 في المئة منهم في الاستهلاك المحلي. وتشدّد العلي على أن «هدفنا الوحيد هو أن يعتبرنا القانون اللبناني لاجئين ورعايا، فيطبّق علينا قانون العمل». وتلفت العلي إلى أن الندوة أقيمت مع رابطة أبناء بيروت للاطلاع على القانون اللبناني وثغراته.
وكانت الحملة قد أعدت مذكرة أرسلتها الى وزير العمل، محمد فنيش، في الأول من أيار الماضي (لمناسبة عيد العمال)، لكنها لم تحصل على رد حتى الساعة، والنية معقودة على إرسالها مرة ثانية. وتطالب المذكرة بالسماح للاجئين الفلسطينيين ممارسة حق العمل في مختلف المهن الحرة والنقابية، وإعفائهم من شرط الحصول على إجازة عمل.
وأدار ندوة أمس الأول أبو عبد الله فارس، من لجنة الائتلاف الفلسطيني اللبناني، وتحدث خلالها رئيس رابطة أبناء بيروت محمد الفيل، ونائب رئيس اتحاد عمال فلسطين محمود أبو سامح.
وطالب الفيل باسم الرابطة «بتفعيل وتكريس التقارب اللبناني - الفلسطيني، بما يعزز استقرار لبنان والتزامه بالقضية الفلسطينية». وندد بالغياب الرسمي «الذي يعطي لليهود الصهاينة استمرارية بغيهم وطغيانهم وعدوانهم وإجرامهم بحق شعبنا الفلسطيني، خصوصاً بعد ما أعلنه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، وبأثر مما يجري داخل مدينة القدس». ورأى الفيل أن «ما تعرض له المسجد الأقصى قد تجاوز التهديد بالتقسيم إلى محاولة هدم المسجد، لا سيما بعدما استكملت الإدارة الصهيونية، بالتعاون مع الجمعيات اليهودية المتطرفة، مشروع تطوير المدينة اليهودية التي يحلمون بها، واستكمال الحفريات والأبواب التي تدخل الى ساحة الحرم». ودعا «أبناء بيروت اللبنانيين والفلسطينيين إلى التقارب، وعدم السقوط في هوة الخلافات والانشقاقات، والمضي معاً في تحقيق الأهداف التي ننشدها بتحرير فلسطين وعاصمتها القدس».
من جهته، لفت أبو سامح إلى أن «اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وبينهم العمال، يختلفون عن كل اللاجئين والعمال في العالم بسبب التشريد والنكبة وفقدان الأرض». ورأى أن «هؤلاء يخضعون لشروط حياتية اقتصادية وسياسية قاسية، إذ يعتبرون أجانب في قانون العمل اللبناني، وقد شكلت القوانين اللبنانية قيوداً على مقومات كرامتهم الاجتماعية والإنسانية». وتوقف أبو سامح عند المادة 95 من قانون العمل اللبناني، والتي تنص، كما قال، على المعاملة بالمثل من قبل الدولة اللبنانية، اتجاه العمال من رعايا الدول الأخرى، العربية والأجنبية، فتشترط حصولهم على إجازة من وزارة العمل قبل أن يتم توظيفهم في أي مؤسسة صناعية أو تجارية أو حرفية، لكنها توجد آلية خاصة للتعامل مع العمال الفلسطينيين الذين لا دولة لهم، وهم في حالة لجوء إلى لبنان. وشدّد على أن «معظم قوانين العمل في العالم تحمي اللاجئين والعمال»، مضيفاً أنه في لبنان، هناك إطار تشريعي لعمل الأجانب، يحميهم، أما العمال الفلسطينيون فوضعهم يبقى في الاستثناء المجحف. وختم أبو سامح قائلاً: «إن قانون العمل لا يحمي العمال الفلسطينيين، بل يشكل لهم مصدر خوف وقلق وحرمان وبؤس واضطهاد. وإذا كان مبدأ المعاملة بالمثل يرمي إلى ضمان مصالح الرعايا اللبنانيين في البلدان الأخرى، وإلى منع المزاحمة في اليد العاملة، فنحن نطالب بأن تراعى خصوصية اللاجئين الفلسطينيين».
600 حريق في 3 أيام: أين نظام التوقع المناخي؟

صحراء قاحلة انتجتها الحرائق في دير القمر
تموز بأول وصولو حرائق على طولو»، عبارة بات يرددها أصحاب الأراضي المحترقة التي زادت عن 200 هكتار منذ بداية موسم الحرائق لعام 2009، وكان آخرها 600 حريق ناتجة من رياح جافة غير معتادة في الصيف اندلعت بظرف أيام ثلاثة
بسام القنطار
كالعادة تدعي أجهزة الدولة المعنية، لا سيما الدفاع المدني، أن الحرائق التي تحيل غابات لبنان رماداً مفتعلة. وتربط بين هذا الاتهام وتوقيت اندلاع معظم الحرائق في وقت محدد. وفيما لم يقدم أي مفتعل لهذة الحرائق أمام العدالة، يبدو أن أسباب معظمها تعود إلى ظواهر مناخية متطرفة، وأن كثافة اندلاعها مع بداية فصل الصيف يرتبط بوضوح بتغير المناخ الواضح عبر ارتفاع في درجة الحرارة مع هبوب رياح ساخنة، الأمر الذي يمثّل بيئة نموذجية للحرائق.
وإذا كانت ظاهرة الارتفاع الشديد لدرجة الحرارة ليست جديدة، فإن الجديد هذا العام، وخصوصاً في 30 حزيران، و1 و2 تموز الجاري، أن الرياح الجافة التي من المفترض أن تهب في فصل الخريف، هبت مطلع تموز وبات الأمر سمة مناخية بارزة خلال فصل الصيف، وبسرعة عالية سببت تفاقم رقعة الحريق وانتشارها.
إزاء هذا الواقع، يصبح من العبث التبشير بقدرة الطيارين اللبنانيين على قيادة طوافات «السيكورسكي» الجديدة، وسط عودة الوزراء والمديرين العامين المعنيين إلى تبادل الاتهامات في مقدار تحمل المسؤوليات، ما لم تُطوّر شبكة حديثة تعطي توقعات أولية عن خطر نشوب الحرائق، إضافة إلى تركيب أجهزة إنذار مبكر.
وتوصي «الاستراتيجية الوطنية لإدراة حرائق الغابات في لبنان» التي تبنّاها مجلس الوزراء الشهر الماضي، باستخدام بيانات التوقعات الجوّية المناخيّة لتجهيز وسائل المكافحة والإخماد مسبقاً. كما توصي ببذل الجهود اللازمة في سبيل إعداد محطات جوية تسجل درجات الحرارة ونسبة الرطوبة ومعدل سرعة الرياح واتجاهها.
ويشير مدير برنامج الأبحاث والتطوير في جمعية الثروة الحرجية والتنمية، جورج متري، إلى أن لبنان يجب أن يتمثل بتجارب العديد من الدول المتوسطية التي بنت شبكات رصد وكشف وطنية استناداً إلى محطات ثابتة ومتحركة.
وتولي الاستراتيجية التي شارك متري في وضعها، أهمية كبيرة لأنظمة قياس الخطر وتصنفها بأنها من العناصر الضرورية في عملية إدارة الحرائق، وهي تتطلب تعاوناً دقيقاً مع مصلحة الأرصاد الجوية، فضلاً عن إعداد نماذج ومؤشرات لمختلف أنماط سلوك الحرائق. كما توصي الاستراتيجية بضرورة توفير المعلومات الجوّية اللازمة لتطوير مؤشرات الخطر المستندة إلى تحليل التوقعات المناخية المحلية عبر سنوات عدة.
ويشير متري إلى أنّ جمعية الثروة الحرجية تعمل بالتعاون مع الجامعة الأميركية في بيروت على إنجاز مشروع لرصد الحرائق والتنبؤ بحدوثها. الأستاذ المساعد في كلية الهندسة في الجامعة الدكتور عماد الحاج الذي يشرف على تنفيذ المشروع أكد أن الجامعة «نجحت في تطوير برنامج تقني يساعد في التنبؤ بحدوث حريق». ويعمل هذا البرنامج عن طريق التشبيك مع محطات الأرصاد الجوية التابعة لمصلحة الأبحاث العلمية الزراعية، وهو حالياً يتصل بأربع محطات رئيسية في الفنار وصور والعبدة وتل عمارة، على أن يوصَل مع بقية محطات الرصد الموجودة التي يصل عددها إلى 40 محطة.
وتزوّد هذه المحطات البرنامج بمعطيات مناخية من حرارة الطقس إلى الرطوبة وسرعة الرياح وغيرها، وفور ورود المعلومات يجري إدخالها إلى قاعدة البيانات الرئيسية وتحليلها مع معطيات اليوم نفسه في السنوات الخمس السابقة، بما يسمح بتوقع حدوث حرائق في مناطق معينة في اليوم نفسه، كما يقدم جدول توقعات لشهر كامل.
ويشير الحاج إلى أن البرنامج لا يزال في طور الاختبار، لكنه توقع أن يبدأ بتقديم المعلومات الرسمية إلى الجهات المعنية في غضون شهر.
وبقدر ما يبدو هذا المشروع علمياً وطموحاً، إلا أن الحاج لم يوضح شبهه بمشروع مماثل ينفّذه فرع الري والأرصاد التابع لمصلحة الأبحاث العلمية الزراعية عبر الاستعانة بخبراء إسبان.
ولقد نظمت المصلحة مطلع شهر أيار الماضي ندوة في بيروت طرحت آلية عمل شبكة محطات الأرصاد الجوية التابع لها، التي من المفترض أن تعطي المؤشرات الأولوية على خطر حدوث حرائق، ووضعها بتصرف المعنيين والمسؤولين عن عمليات الإطفاء.
ويشير الحاج إلى أن البرنامج الذي يطرحه الخبراء الإسبان معقد، فيما النظام الذي طورته الجامعة الأميركية أسهل وأكثر مرونة، لكن هامش الخطأ في كل الحالات يبقى واسعاً، وخصوصاً في حال حدوث ظواهر مناخية غير عادية.
وفيما تعذر الاتصال برئيس المصلحة الدكتور ميشال افرام أو بأحد معاونيه للاستفسار عن هذا الموضوع، يبدو واضحاً أن هناك سباقاً بين الطرفين للقول إنها الجهة الصالحة لتقديم المؤشرات، التي لا يبدو أنها ستكون بمتناول الجهات المعنية في الوقت القريب.
الجزء الآخر من المشروع الذي يطمح الحاج إلى أن يبصر النور في العام المقبل، لا يزال في طور البحث المخبري، ويهدف إلى إنتاج جهاز إنذار فائق الحساسية يسمح بقياس الدخان المتصاعد في الغابة، إضافة إلى قياس انبعاثات أوكسيد الكربون وثاني أوكسيد الكربون وغاز الميثان. ويجزم الحاج بأن هذا الجهاز لا مثيل له في العالم، وفي حال نجاحه فإنه يتوقع أن يصبح منتجاً تجارياً عالمياً.
وفيما رفض الحاج تحديد قدرة هذا الجهاز قبل اختباره في الطبيعة، أشار إلى أنه بقدر ما يوضع عدد كبير من الأجهزة ضمن الهكتار الواحد بقدر ما يساعد على توجيه إنذار مبكر لحدوث الحرائق. ولفت الحاج إلى أن قياس غاز الميثان مهم جداً. وخصوصاً بعد تساقط الأمطار في بداية فصل الخريف، حيث ترتفع نسبة تبخر هذا الغاز من الأوراق اليابسة بعد تعرضها لأشعة الشمس. وفيما يعتقد المزارعون أن رطوبة الأرض تخفف من احتمال حدوث حرائق، فإن تبخر غاز الميثان يجعل هذا الاحتمال عالياً جداً.
ويشكو الحاج من نقص في التمويل يواجهه هذا المشروع، برغم الملايين التي صرفت على التدريب وشراء المعدات من الخارج. وعادة تشترط الجهات المانحة، وخصوصاً الأميركية والأوروبية، أن تُشترى المعدات والتقنيات من دولها، ولا تحبذ تمويل أبحاث علمية قد تسهم في جعل الدول النامية ممتلكة للقدرات.
ورغم التفاؤل الكبير بقدرة أجهزة الرصد والإنذار المبكر في مكافحة الحرائق، لا تحول هذه الأنظمة التقنية دون اعتماد وسائل المراقبة الأرضية التي تعتمد على تقنيين ذوي خبرة عالية على المستوى الميداني، إذ إن العنصر البشري لا يزال محور حركة أعمال المراقبة والرصد.
ما زال استخدام أبراج المراقبة عنصراً رئيسياً واسع الانتشار في بلدان عدة، فيما تعتبر الدوريات الميدانية القائمة على خبراء ميدانيين عاملاً متمماً لحركة المراقبة والرصد. وفي بعض الأحيان، يمكن عمليات التقييم الميدانية أن تتكامل مع استخدام نظم الأشعة ما تحت الحمراء، ومن الجدير ذكره أن السكان المحليين هم أول من يبلغ عن اندلاع الحرائق في معظم الأحيان.
انضمام لبنان إلى الشبكات الدولية
خلال السنوات الأخيرة، أُنشئ عدد من الشبكات تضم بلداناً أوروبية من حوض المتوسط، في سبيل التطوير وتبادل المعلومات والخبرات التي تساعد على فهم الأسباب الجذرية للحرائق، بالإضافة إلى المؤشرات الديناميكية لمختلف أنظمتها وأنماطها الإيكولوجية في مختلف الأنظمة البيئية لغابات حوض المتوسط.
وتؤكد الاستراتيجية الوطنية لإدارة الحرائق ضرورة مساعدة المؤسسات اللبنانية المعنية ودعمها في إعداد المناهج وأنظمة البحث اللازمة في إطار ملف الحرائق، وتشجيعها على الانضمام إلى شبكات الأبحاث الحالية العاملة في هذا السياق، في ما يتعلق بالمسائل المرتبطة بالأنماط الإيكولوجية للحرائق، فضلاً عن تفعيل تبادل الخبرات مع المراجع الرئيسية الرائدة.
ورغم أهمية أنظمة الرصد الجوية، فإن كلفتها العالية جعلت العديد من الدول تعتمد على بناء شبكات رصد وكشف استناداً إلى محطات ثابتة ومتحركة. وتُبرمج هذه العمليات أوتوماتيكياً باستخدام الأشعة ما تحت الحمراء وشاشات المراقبة التلفزيونية المزودة بالخلايا الكهربائية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























حياتنا تناشد الجميع مقاطعة المواقع والفضائيات المشهورة بدس الأضاليل وإثارة الفتن