لبنانيات
كتبهاisam mallah ، في 12 تموز 2009 الساعة: 16:47 م
حسن نصرالله في لقطة خاصة باستراحته المجهولة المكان في الضاحية..مارأيه(الحقيقي لاالمُعلَن)بماآلت اليه حالنا بعد الحرب؟
إسرائيل لم تخسر الحرب في لبنان
رندى حيدر
على الرغم من مرور ثلاثة أعوام على حرب تموز، ما زال السؤال الذي يطرحه الإسرائيليون على أنفسهم: هل ربحوا هذه الحرب أم خسروها؟ في رأي المعلق في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل تختلف الإجابة باختلاف الأشخاص، ولكن الرأي الأرجح أن الحرب إنتهت بالتعادل. عن هذا الموضع كتب بالأمس:"(…) لم تخسر اسرائيل الحرب في لبنان صيف 2006، فحصيلة المعارك على الأرض كانت أقرب الى التعادل، لكن الإسرائيليين اعتبروها هزيمة لأنها لم تتطابق مع التوقعات التي كانوا ينتظرونها. فالجيش الإسرائيلي، الذي نجح قبل عامين او ثلاثة في كبح موجة الإرهاب الفلسطيني داخل المدن الإسرائيلية، لم ينجح في وقف نيران مدفعية حزب الله، واضطر سكان الشمال الى ملازمة الملاجئ خمسة أسابيع، في الوقت الذي لم تدرك الحكومة ورئاسة اركان الجيش مدى خطورة وضع دولة عاجزة عن تأمين حاجاتها الأساسية.
لقد كشفت الحرب في صورة خطرة المستوى المخزي لتدريبات الجيش الإسرائيلي التي سبقت الحرب. وحتى العملية البرية التي جرت في الساعات الستين الأخيرة للحرب فشلت فشلاً ذريعاً. فالجيش الإسرائيلي لم يفشل فقط في الوصول الى المواقع التي كان في استطاعته من خلالها ان يهدد حزب الله فعلياً، وإنما كشفت عملية اتخاذ القرارات في القيادة أخطاء تسببت بموت العديد من الجنود. والمقلق أيضاً أن المجموعة التي استقالت رفضت تحمل مسؤولية أخطائها.
ولكن على المقلب الآخر، تلقى حزب الله ضربة قاسية. وهذا يعود في الدرجة الأولى الى موازين القوى. فميليشيا تتألف من آلاف المقاتلين قادرة على قصف الجبهة المدنية وعرقلة تقدم الجيش الإسرائيلي، ولكنها بالطبع غير قادرة على الانتصار. نحو 177 ألف قذيفة مدفعية قصف بها الجيش الإسرائيلي الأراضي اللبنانية، كما نفذ سلاح الجو 12 ألف طلعة جوية. ولقد أدى القصف الى دمار كبير في لبنان وأوقع مئات القتلى بين مقاتلي الحزب، ولكن أدى هذا الى نشوء الوضع الإستراتيجي الآتي على الحدود: فقد امتنع الحزب منذ ذلك الحين عن اطلاق الصواريخ ومنع التنظيمات الأخرى من القيام بذلك. كما ان دخول القوة الدولية الجنوب بعد الحرب أبعد مواقع الحزب عن الحدود. من جهة أخرى، تسلح الحزب من دون أي ازعاج بعشرات الآلاف من الصواريخ القادرة على الوصول الى كل انحاء اسرائيل.
لدى مراجعة النتائج، نجد أموراً ايجابية قد حدثت، فالحدود هادئة نسبياً والردع يبدو سارياً. والجيش الذي قرع ناقوس الخطر حول القدرات الحقيقية لفرقه أثبت تحسناً في قوته كما برز في عملية الرصاص المصهور في غزة. ولكن الوضع في الشمال غير ثابت، اذ يمكن ان تتجدد الإشتباكات لاعتبارات إيرانية او سورية قد تؤدي الى جر حزب الله على رغم كل التحليلات الإسرائيلية (…)"
تشكيل الحكومة في مرحلة العلاجات الصعبة
الانطباع الذي ساد في الوسط السياسي في نهاية الاسبوع الفائت ان عملية تشكيل الحكومة دخلت مرحلة "العلاجات الصعبة"، التي تبدأ بحلحلة العقد الداخلية وتنتهي بجملة من المساعي الاقليمية تتصل بصورة مباشرة بالعلاقات السورية- السعودية- المصرية. والمقربون من الرئيس المكلف يقولون ان التروي هو عنوان الاتصالات الجديدة، وأن الولادة قد تأخذ وقتاً، وبالتالي فإن عمر حكومة تصريف الاعمال مرشح لأن يطول خلافاً للتوقعات التي رافقت مرحلة التكليف.
الموعد الاول للحلحلة الخارجية يتوقع ان يكون في شرم الشيخ على هامش قمة دول عدم الانحياز (15 و16 الحالي). لكن المؤشرات الاولى لا توحي بأن الرهان على شرم الشيخ في محله، لأن الرئيس السوري لم يتخذ بعد قرارا بالمشاركة، ولان العاهل السعودي بدوره لم يعلن انه ينوي الحضور شخصيا. ثم ان الرئيس الايراني قد يوفد وزير خارجيته الى المؤتمر وهذا يعني ان المشاورات المصرية- السورية- السعودية- الايرانية المتوقعة لن تتم على المستوى الحاسم.
هذه الاعتبارات لا تثني الرئيس المكلف عن متابعة مشاوراته الداخلية والخارجية، وهو مقتنع بضرورة تشكيل حكومة وحدة وطنية لا حكومة من لون واحد، وقد ابلغ رئيس الجمهورية ميشال سليمان في لقائهما الاخير ما يردده امام زواره من انه لن يقبل ان يضع احد شروطاً امام مهمته، واذا ما اصر البعض على تلك الشروط، وبينها “الثلث المعطل”، فهو يفضل أن يبلغ رئيس الجمهورية اعتذاره عن التأليف. وجدد القول ان مقاربة العلاقة بين لبنان وسوريا،أمرلابد منه“ونحن نريد أفضل وأحسن العلاقات بيننا وبين سوريا.لكن لبنان لايُحكم من دمشق ولايُحكم ضد دمشق”، وهي المقولة التي طالما رددها الرئيس الشهيد رفيق الحريري..
ومن خلال مراجعة التفاصيل التي تسربت عن اللقاءات السعودية- السورية التي تمت حتى الآن، يمكن الاستدلال الى ان هذه اللقاءات تركزت على محورين اساسيين: الاول الحرص السعودي الكامل على إنجاح مهمة الرئيس المكلف، والثاني الحرص السوري الكامل على عدم التدخل في الشؤون اللبنانية مع ابداء الاستعداد لتفهم وجهة نظر فريق 14 آذار ومحاولة التقريب بين الاكثرية والمعارضة في مرحلة ما بعد التأليف.
ويبدو ان الموفد السعودي حمل الى دمشق في الزيارات العلنية الثلاث التي قام بها لائحة افكار تقود الى تحقيق مصالحة لبنانية- لبنانية في العمق بمناسبة تشكيل الحكومة، تتصل بالثلث المعطل، والمجلس الاعلى اللبناني – السوري وترسيم الحدود ومزارع شبعا، بالاضافة الى تصفية عدد من الملفات اللبنانية- السورية العالقة. وكان المقصود سعودياً بهذه الافكار ازالة كل الالغام من امام التشكيلة الحكومية المقبلة، بصورة تساعد على تعزيز التلاقي اللبناني- السوري على مختلف الاصعدة.
نتيجة هذه المشاورات تبلورت مجموعة افكار تساعد على تشكيل الحكومة في اتجاهات ثلاثة:
الاول حكومة غالبية تدعمها الاكثرية الحالية.
الثاني حكومة وحدة وطنية من خارج منطق الثلث المعطل.
الثالث حكومة مشاركة يملك العصمة فيها رئيس الجمهورية.
وتتقاطع المعلومات على ان الجهود السعودية- السورية لا تزال بحاجة الى الاستكمال عبر إشراك اطراف اقليمية اخرى، بينها القاهرة والدوحة وطهران، وفي انتظار استكمال دورة المشاورات، يعمل الرئيس المكلف على حلحلة العقد الداخلية وابرزها عقدة التمثيل المسيحي على قاعدة التوفيق بين مطالب الجنرال عون ومطالب حلفائه المسيحيين ومطالب رئيس الجمهورية.
عقبات تشكيل الحكومة تعرقل انطلاقة الأسواق المالية
وتخفض تداولات البورصة 26%
عدنان الحاج
تأخر تشكيل الحكومة فتراجعت الأسواق المالية وضعفت التداولات في بورصة بيروت، لا سيما بعد ابتعاد موضوع البحث الداخلي عن تحديد شكل الحكومة وتركيبتها وبقائه في حدود البحث عن تحسين المواقع والشروط.
صحيح انه ليس هناك مهل قانونية او دستورية ملزمة لفترة تشكيل الحكومة، إلا ان المفاعيل القانونية تختلف عن الآثار في الأسواق المالية لتي شعرت هذا الأسبوع بحال من التردد وعدم الاستقرار السياسي على أبواب موسم سياحي واعد، كان يمكن ان يكون أقوى وأفضل لو جاءت وتيرة تشكيل الحكومة ونمو الثقة بين أهل السلطة، كما كانت مسيرة ونتائج العملية الانتخابية للمجلس النيابي الجديد ومن ثم التجديد للرئيس نبيه بري ومن بعده تكليف سعد الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة.
أمام هذه الوقائع السياسية وعدم وضوح المسار الاقليمي على خط السعودية ـ سوريا ومن حولهما الخطوط الأخرى والمصالح المتضاربة على الساحة العربية والدولية كان بديهياً ان تدخل الأسواق مرحلة استراحة جديدة، هي مرحلة انتظار الولادة القيصرية للحكومة الذي يرجى الا تكون متعسرة باعتبارها ولادة أول حكومة برئاسة النائب سعد الحريري الذي إليه تتجه الأنظار من الحلفاء والخصوم كل حسب مآربه في الانجاح او التفشيل او إدخاله بدائرة الاسترضاءات التي تضعفه وتجعله عرضة للابتزاز السياسي كما حصل ويحصل مع أكثرية رؤساء الحكومات منذ فترة ليست بالقصيرة.
بالعودة الى الأسواق، فأن ضعف الأسواق المالية تعكسه حركة تداولات البورصة داخلياً للأسهم التي تراجعت مقارنة مع الأسبوع الماضي من حيث القيمة والعدد، إضافة الى تراجع غالبية الأسهم الأساسية لا سيما سهم سوليدير الذي كان الأكثر تراجعاً بفعل الوضع الحكومي كونه السهم القيادي في بورصة بيروت ويشكل أكثر من 80 في المئة من حجم التداولات في البورصة.
وأما الأوراق المالية في الخارج فقد كانت مطلوبة كثيرا، لا سيما سندات اليوروبوند لمختلف آجال الاستحقاقات، لا سيما استحقاق العام 2021، باعتبار ان الأوراق المالية اللبنانية أظهرت ثباتاً كبيراً خلال فترات الأزمة المالية العالمية ومفاعيلها المستمرة. غير ان الواضح في الأمر ان هناك الكثير من الطلب على هذه الأوراق التي سجلت ارتفاعاً ملحوظاً، إلا ان العروض قليلة باعتبار ان المتعاملين لا يريدون التخلي عنها نظراً لثباتها وعائدها المرتفع.
الحريري في غرفة الانتظار: أدركني يا عبد الله
ابراهيم الأمين
سيجد كثيرون أن في الكلام إساءة، إلا أن سعد الحريري أظهر ـــــ للأسف ـــــ أنه لا يملك القدرة على المبادرة بشيء. لا هو كان قادراً على حسم خلافات الحلفاء يوم اندلعت معركة تأليف اللوائح الانتخابية، ولا كان قادراً على إعلان ترشّحه لرئاسة الحكومة قبل أخذ موافقة السعودية والولايات المتحدة ومصر، ولا هو الآن قادر على تقديم أي طرح يمكن مناقشته بمعزل عمّا ستبلغه إياه السعودية عن حصيلة اتصالاتها مع سوريا.
يوم جاء عبد العزيز خوجة إلى سعد وأبلغه أن المفاوضات في سوريا تقترب من توافق على اتفاق يتطلب أن يزور الحريري دمشق، سأله سعد: الآن قبل التأليف؟ أجابه الخوجة بنعم، فرد الحريري: إذا كنتم في السعودية ترعون هذا الاتفاق فأنا حاضر، لكن لا أعرف إذا كان حلفائي في 14 آذار يقبلون. وبعدما تدخلت الولايات المتحدة ومصر وجهات أخرى ترفض شراء بطاقة دخول الحريري إلى السرايا من خلال نظام «الدفع المسبق»، انتظر الحريري سماع الكلام من السعودية. هذا لا يعني أنه ليس صاحب موقف شخصي، بل ليس صاحب رأي ومبادرة وخطوة. لكنه لم يكن يقدر على التصرف بمفرده رفضاً أو قبولاً، فترك للسعودية أن تسمع من الأميركيين والمصريين الوجهة، حتى عاد ليتبلغ أن الأمر جُمّد. لكن التعليمة الأساسية التي تقول بوقف الحملة على سوريا، ظل الحريري ملتزماً بها.
لكن ماذا يفعل بعد ذلك؟ قرر الحريري ملء الفراغ بسلسلة من الاتصالات السياسية التي اقتصرت نتائجها حتى الآن على «تبادل النيات الطيبة» مع الحلفاء والمعارضين. قال إنه لا يضع فيتو على هذا الوزير أو ذاك، وإنه مستعد لكل الضمانات السياسية مقابل تخلي المعارضة عن مطلب الثلث زائداً واحداً، وإنه يريد التعاون في كل شاردة وواردة. وقال لرئيس الجمهورية إنه لا يمانع أن تكون له حصة كبيرة، لكن بالاتفاق مع الآخرين، وإنه يؤمن بأن يؤدي الرئيس دور الضامن للجميع، وقال لحلفائه إنه لا يريد إطاحة نتائج الانتخابات النيابية،وسيحفظ لكل منهم حقه.بدا سعد الحريري أمام مهمة غير واضحة التوصيف، ولا حتى الأهداف، وهو كذلك، لأنه يعرف منذ اليوم الأول أن مَن قررترشيحه لهذا المنصب وَعَدَأن يوفرله ضمانات النجاح.
من جانب آخر، لم يكن الحريري يقدر على المبادرة حتى في تفاصيل الحوار السعودي ـــــ السوري وآلياته. لم يكن هو في قلب هذا الحدث، ولولا ذلك لكان قد لفت انتباه الأمراء، وهو يعرف طريقه إليهم منذ زمن بعيد، إلى أن فكرة «إعلان دمشق» غير ممكنة التحقق الآن. لكنه كان خارج هذا المربع، وعندما تعهدت السعودية تنفيذ هذا الاتفاق كانت تعرف أنها تمون على الحريري، وتعرف أن تمون أيضاً على وليد جنبلاط، وإن كان الأخير غير معارض، وأن لها فواتير قابلة للتحصيل عند مسيحيي 14 آذار. لكن السعودية بالغت على ما يبدو بالتفويض المعطى إليها من الولايات المتحدة لإنجاز «اتفاق لبناني» في سوريا.
مع تعثّر المساعي السعودية ـــــ السورية لم يتغير الأمر على سعد الحريري، فهوأصلاً جالس في غرفة الانتظار.وواقع الأمورسيجعله يجلس وقتاً إضافياً، لكنه تصرف على أساس أنه لا يريد أن يصاب بالملل انتظاراً، فحاول إشراك الآخرين في هذا العقاب، من معارضين وموالين، لكن النتيجة هي نفسها:
لا يملك سعد الحريري أي تفويض بأن يبادر إلى خطوة عملية، وإلا فما الذي يؤخره؟ هل هو خشيته من عدم الاتفاق مع المعارضة، أم أن يرفض رئيس الجمهورية الحصة المقترحة له فيرفض توقيع المراسيم، أم هو لا يقدر على «تشليح» حلفائه المسيحيين قسماً من حصتهم الوزارية، أم هو لم يبتّ بعد الأمر الأهم الخاص بتوزيع الحقائب الوزارية بين الفرق كافة؟
الله أعلم بماذا يفكر الحريري الآن، لكن النتيجة المنطقية الوحيدة عند الجمهور، هي أنه يقدر اليوم على بيع الكلام المعسول، أما البضاعة الحكومية فلا تزال محجوزة عند السعوديين، وتالياً عند السوريين، ذلك لأن الرياض هي من قررت إشراك سوريا في القرار.
وبما أن الأمور على هذا المنوال، فإن ما هو منتظر يمكن قراءته من دون توتر أو مبالغات:
1ـــــ سوريا ترحّب بالحريري الآن قبل تأليف الحكومة، أما بعده فهي لن تعاني أزمة وجودية إن تأخر الرجل أربع سنوات جديدة، إلا إذا كان هناك ما يوجب اتصاله بنظيره السوري.
2ـــــ إن سوريا تنتظر عودة الموفد السعودي إليها، وهي مرتاحة إلى التواصل القائم بينها وبين الرياض، وترى أنها مستعدة للتعاون في ما خصّ لبنان، لكنها تقول صراحة إنها ليست جمعية خيرية، وهي لا تعمل عند الآخرين، وهي لا تشعر بأن تخليها عن هذا الدور سيهدّد مصالحها في كل المنطقة، وخصوصاً في لبنان.
3ـــــ إن السعودية تحتاج إلى شراكة سوريا في إدارة ملف لبنان، ليس بسبب الوقائع التاريخية، بل لأن السعودية لا تقدر على تحمّل مسؤولية إدارة لبنان وحدها، وهي ليست بوارد فتح جبهات جديدة لها من إيران إلى فلسطين.
4ـــــ إن المعارضة في لبنان تتفهم ما يمكن أن تصل إليه سوريا والسعودية، لكنها تعرف أنه لن يكون هناك اتفاق على حسابها، وهي لن تلتزم باتفاق تراه مجحفاً بحقها. وهذا يسهّل على السعودية، كما على سوريا، تبيان معالم الطريق إلى أي اتفاق.
فماذا سيفعل الحريري؟ هل لديه خيار آخر غير تبديل صالونات غرفة الانتظار؟ أليس هو وحلفاؤه في 14 آذار يريدون حكومة «تُصنع في لبنان»، فما الذي يمنعه من تأليف حكومة من دون المعارضة؟
حقيقة الأمر هي أنّ من يمنعه ـــــ لا ما يمنعه ـــــ هو نفسه الذي يتّكل عليه الحريري في مشروعي التكليف والتأليف.. أدركه يا عبد الله!
الرئيس المكلَّف، لفت نظر - مروان اسكندر
إن تفحّص أوضاع لبنان واللبنانيين على صعيد الثروات المتكونة لاهل البلد وشروط العيش المتوافرة، إن على صعيد الخدمات العامة، أو الادارة الحكومية، أو البيئة، تظهر مطبات مخيفة.
إن مسيرة الاقتصاد ونبضه يظهران على نحو شبه مكتمل من خلال مؤشّر اعتمده مصرف لبنان منذ 1993 يغطي نشاطات عدة منها انتاج الكهرباء، استيراد المحروقات، شيكات المقاصة، عدد المسافرين من لبنان واليه، الصادرات الاجمالية، المستوردات، رخص البناء، الانتاج الصناعي، الحركة التجارية، الحركة الاستثمارية.
اذا نظرنا الى الخط البياني لتطور هذا المؤشّر تظهر لنا بوضوح الآثار المدمرة للحروب، والصدامات الداخلية والاعتصامات.
بكلام آخر، الاقتصاد اللبناني في تطوره وتوثّبه وانكماشه معلق على الاستقرار والاطمئنان، وهذان العنصران معلقان بدورهما على الممارسة السياسية، ومقدار تحسّس السياسيين أو إهمالهم لضرورات المحافظة على مناخ مستقر وآمن لسنوات.
الخط البياني يظهر بوضوح تدني مقياس الانجاز من مستوى 185 نقطة - بالمقارنة مع قاعدة 100 نقطة بداية عام 1993 - الى 165 نقطة بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ومن ثم، وبعدما ارتفع مقياس المؤشر الى 195 نقطة اوائل صيف 2006، انحدر في تموز وآب خلال حرب ذلك الصيف الى 115 نقطة، أي خسر ثلث ما تحقق طوال 13 سنة. ومن بعد عام 2007 واحداث نهر البارد واستمرارها مدة طويلة، انحدر المؤشر من مستوى كان قد استعاده مساويا 188 نقطة الى 170 نقطة.
بكلام آخر، ولو استمر الوضع مستقراً منذ عام 2000 حتى اليوم دون النتائج المضرة بالاقتصاد والثقة، وخصوصاً حرب 2006 والاعتصام المشين وحرب نهر البارد، لكان المؤشر قد بلغ هذه السنة، وقبل انتهاء الصيف، مستوى 260 نقطة، في حين ان المستوى المتحقق وخصوصا مع تحقق معدل نمو للدخل القومي بنسبة 8،5 في المئة عام 2008، صار على مستوى 240 نقطة.
إن الامر الذي يسترعي الانتباه هو تحقق نمو بنسبة مرتفعة عام 2008 على رغم الازمة المالية والاقتصادية الدولية، وتجميد المناكفات السياسية لأي نمو خلال الاشهر الخمسة الاولى من السنة والتوصل الى اتفاق مهد لانتخاب الرئيس ميشال سليمان وتالياً تحسن الآمال في الاستقرار في المستقبل المنظور.
يجب التأكيد ان النمو المتحقق كان بالفعل نتيجة الاندفاع التعويضي لخسائر 2006 و2007. فاللبنانيون بطبعهم متفائلون ويتعلقون بحبال الهواء، لأن بلدهم صغير، ومعطياته الطبيعية عدا المناخ والمياه محدودة الى حين استكشاف فرص توافر النفط والغاز اذا انفتحت هذه في مستقبل قريب، ومعلوم ان الدراسات الجيولوجية المتوافرة تبدو واعدة.
لنفترض ان وعي اللبنانيين لاهمية الاستقرار والاطمئنان يتوسع ويتجذر حتى لدى طبقة السياسيين وإن تكن المظاهر حتى تاريخه لا تفيد عن تحسس السياسيين لضرورات النمو والإنماء لا يكفي الاستقرار لتحقيق المناخ الاستثماري والمعيشي المطلوب.
العالم المتحضّر يدرك ان توافر الطاقة الكهربائية أو سواها أمر ضروري لمساندة عمليات الانتاج، ونشاط المؤسسات والافراد، ومستوى الحياة الاجتماعية. والمياه لا تقل أهمية عن توافر الكهرباء بأسعار معقولة ووتيرة مستمرة دون تقطّع وعبر إمدادات لا تتشابك مع شروط البناء. والكهرباء والمياه تمثلان قضايا عالقة ومعلقة وذات دلالة على إهمال القيمين على الشأن العام لضرورة تأمين شروط الحياة الكريمة والصحية للمواطنين.
والبيئة لا تقل أهمية عن قضايا الكهرباء والمياه، وهي تتأثر مباشرة بتوافر الكهرباء والمياه النظيفة، كما تتأثر الى حد بعيد بكثافة السير واعداد السيارات وتجهيزاتها، ومعدات تنقية عوادم المصانع، سواء منها معامل توليد الكهرباء، او تصنيع الاسمنت والأسمدة والورق الخ.
واذا لم نوفر الكهرباء والمياه، ولم نحل مشكلة السير، ولم نتحكم بنظافة الجو ومياه الشواطئ، نكون قد اهدرنا فُرص الترقي وتحقيق مستويات الرفاه الاساسية المطلوبة لمواطني أي دولة في القرن الحادي والعشرين.
لنأمل ان يكون اطار التحكم بتوقعات المستقبل، الذي هو معلّق على تصرفات السياسيين وتطلعاتهم وممارساتهم، مقبولا على الاقل لنستطيع عندئذ التركيز على تحديات تتآكل التوقعات وتهدر الآمال منذ سنوات.
منذ عام 1997 لا نزال نشهد كمواطنين مساعي حثيثة من أفرقاء متنوعين لجعل حياتنا مُظللة بغيوم الشك والتهديد، وقد آن الأوان ليحظى اللبنانيون بـ10 أو 15 سنة من الاستقراروالعمل الجدي والمستمركي نحفظ لنا ولأبنائنا (ذكوراً واناثاً) وطناً يؤمن شروط الحياة العصرية سياسياً، اقتصادياً، بيئياً وثقافياً. فهل يتجاوز هذا الهدف قدرة مجلس أصبح يضم عدداً لا بأس به من العناصر المقتدرة والشابة بالفكر والتوجه، إن لم يكن بالسن فقط؟!
بين التصريحات والنيات
وليد الحسيني
… ونحن نستمع إلى تصريحات القيادات الـسـياسـيـة، وتضحـياتـهم فـي سبــيل تسهـيل مهـمـة تـشكـيل الحكـومة، نصـاب بالدهشـتين. دهـشة عــدم تشكيل الحكومة إلى الآن، طالمـا أن أصحـاب العقـبات أقـلعوا عن عـقباتهم كـما يزعمـون. ودهشة أن تكون تصريحاتهم مجرّد ظنون بأن الليث يبتسم.
قلّما نجد من لا يختفي وراء الكلمات النبيلة، التي تحاول أن تحجب النيات السيئة.
إذاً، بعيداً عن تبادل خداع اللبنانيين بتقديم صورة مثالية لـ"تفاهمات" كاذبة حول خلافات حقيقية وعميقة، فإن البلاد لا تحتمل المناورات ولن تصبر على سياسة عض الأصابع… فاللبنانيون يصرخون وجعاً من زمن طويل عضهم خلاله الجوع والخوف والقرف والفوضى الأمنية والشروخ المذهبية.
لا نعرف دولة في العالم، غير لبنان، تصر على استبعاد الحلول واستيلاد الأزمات.
نتحدث عن حكومة وحدة وطنية ونضع الشروط الكفيلة بتحولها إلى مشرط يمزق وحدة الوطن. ووسط هذه الشروط المحبطة للتفاؤل تغيب حقائق لبنانية لا يستطيع أحد إلغاءها. وعندما نسلّم بها يصبح الإنقاذ سهلاً.
أول هذه الحقائق المستعصية على الحل، حل سلاح "حزب الله". فلماذا اللتّ والعجن حول سلاح لا قدرة للبنان على نزعه، حتى ولو انتزع قراراً بذلك من مجلس الأمن.
وثاني الحقائق المستعصية، استحالة حكم لبنان بحكومة تعادي سوريا.
وثالث الحقائق المستعصية، أن الأكثرية، مهما بلغ حجمها، لا تستطيع أن تحكم خارج العيش المشترك، أقله، بين المذاهب الرئيسية.
ورابع ما يشبه الحقائق المستعصية، حق التيار الوطني الحر في أن يأخذ حصته المسيحية في الحكومة، من دون مبالغة، ومن غير إنكار لحصة الآخرين.
عندما نسلّم بهذه المستعصيات، ونتعاطى معها كأمر واقع لا مفرّ منه، تصبح ولادة الحكومة طبيعية، ولا تحتاج إلى عملية قيصرية تجري في عواصم عربية وأجنبية.
في هذه الحالة يكفي الاعتراف لرئيس الجمهورية بدور بيضة الميزان، إذا ما حاول أحد التلاعب بالموازين.
وسواء كان لبنان أولاً… أو ثانياً فخارج هذا الاعتراف سيكون لبنان أخيراً… وهو لا يستحق مثل هذه الآخرة.
اتّهامات للقاهرة بتعطيل تطبيع العلاقات الداخليّة في لبنان
فداء عيتاني
خلال تطبيع العلاقات بين حزب الله والأطراف الدرزية، سمع وفد من حزب الله حرصاً درزياً شبه رسمي على فتح خط الإمداد للمقاومة في الجبل، كما كان مفتوحاً طوال العقود الماضية. أضاف أحد أبرز المشايخ الدروز بنبرة أسى أنهم حين قرر وليد جنبلاط تسليم جزء من مخازن السلاح في الجبل إلى حزب الله، بعد انتهاء الحرب الأهلية، سمع جنبلاط من بعض الكوادر الدرزية لوماً على «ترك سلاح الطائفة». حينها بادر أحد القياديين في حزب الله إلى طمأنة الحاضرين من الطرف الدرزي إلى أنّ كل المعطيات تفيد بأن التحوّل الذي طغى على الأعوام الأربعة الماضية يشبه «سحابة صيف مرت وانقضت»، وأنّ ما حصل لن يتكرر بين الطرفين، وأن استعادة جنبلاط دوره وموقعه بدأت تُشعر الطرفين بطمأنينة أكبر، وأن الخيار الاستراتيجي لدى الدروز في دعم المقاومة قد استُعيد بالكامل وبدأت عملية بناء الثقة بين الطرفين. وختم بالقول:سلاحنا سلاحكم، اطلبوا ما شئتم منه وسنوفّره لكم.
طبعاً كان الكلام بين المزاح والمجاملة والإشارة إلى فضل سابق في فتح طرق الإمداد وفي تسليم جزء من مخزون الحرب الأهلية للمقاومة في المرحلة التالية لتسليم السلاح الثقيل حينها لسوريا بصفتها المكان الذي أتى منه السلاح، ولا سيما الثقيل.
إلاّ أن تطبيع العلاقات هذا ليس هو نفسه ما يحصل مع باقي الفئات. وإن كان في حزب الله من يطمح إلى تطبيع مماثل واستعادة الثقة بين حزب الله ـــــ والشيعة ـــــ والأطراف الموالية في المقلب الآخر، وتحديداً تيار المستقبل، فإن هناك عوامل تعترض العلاقات الطبيعية بين هذه الأطراف. وبغضّ النظر عمّا يقوله قياديون في حزب الله، وهم أصلاً لا يتحدّثون في العلن للإعلام ولا يدلون بمعلوماتهم بوضوح ولا ينسبونها إلى مصادر في حزب الله أو غيره، فإن من ينجح في جمع القليل من المعطيات من الأطراف المعنية بالموضوع، وهي على نحو رئيسي سوريا والسعودية ومصر وحزب الله وحركة أمل وتيار المستقبل، يمكنه تحديد العامل الأساسي في ابتعاد أفق التطبيع بين المستقبل وأقرانه اللبنانيين.
كانت فكرة صعود سعد الحريري والالتقاء بالملك السعودي والرئيس السوري في دمشق، على أن يتبعه الرئيسان ميشال سليمان ونبيه بري إلى دمشق، ويتوسع اللقاء ليضم بعدها رؤساء الكتل البرلمانية، هذه الفكرة التي هي في الأساس طرح سعودي (مع الموافقة المسبقة على الأمر من رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري)، أفشلتها مصر وقادت فريق إجهاضها. وكذلك يتهم متابعون لبنانيون من المعارضة القاهرة بأداء دور لا يُسهم اليوم في تأجيل تلاقٍ سني ـــــ شيعي عبر تشجيع الرؤوس الحامية في فريق 14 آذار على اعتراض خطوات الرئيس المكلف وحسب، بل أيضاً في اعتراض الخطوات التي سارتها السعودية نحو حلّ جزئي في لبنان يمهد لترطيب الأجواء مع دمشق، قبل البدء في البحث الجدي في الملفات الرئيسية بين الطرفين، الذي سيتحول إلى بحث ثلاثي تنضم إليه مصر في القريب العاجل، بحسب ما يُسرّب ويقال ويعلن، وهو بحث يجب أن يتناول العلاقات البينية بين هذه الدول، والملفين الإيراني والفلسطيني، والتقاسم في لبنان بين هذه الدول الثلاث، وغيرها من العناوين.
يضيف معارضون رئيسيون في لبنان أن إعادة الهمس باسم فؤاد السنيورة في بيروت اليوم، إذا فشل تأليف الحكومة، ليس بريئاً، وليس مزاحاً في غير مكانه، بل تقف خلفه القاهرة وبعض المرتبطين بها في بيروت، وهم يسعون إلى إفشال الانفتاح الذي بدأ به سعد الحريري، الذي يحاول ألا يستفز الأطراف اللبنانية الأخرى، وخاصة أنه لا مصلحة له في توتير البلاد ولا في أن يقبع في القصر الحكومي محاصراً ومذموماً من نصف الشعب اللبناني كسلفه السنيورة.
يزيد هؤلاء المعارضون أن القوى الرئيسية في المعارضة لا تعاني أي أزمة في تأخير تأليف الحكومة «وسيكون صيفاً هادئاً ومليئاً بالاسترخاء» بالنسبة إلى المعارضة، إلا أنه لن يكون كذلك بالنسبة إلى من لديهم استحقاقات داهمة، وطروحات ميشال عون ليست بعيدة عن التداول بين قوى المعارضة، والرجل لا يغرد بمفرده، وأي طرح يجب أن يحظى بموافقة القوى الرئيسية في المعارضة وعون أولاها. لكن، في المقابل، هناك ثقة في عقلانية ميشال عون وواقعيته، التي في حال الوصول إلى صيغة مقنعة مع سعد الحريري ستتجلى بموافقته على إحدى الصيغ التي تطرحها المعارضة.
وبعيداً عن ممارسة الغزل بين أطراف المعارضة، فإن الرهان ما زال على تطوّرات في المسار السعودي السوري تعيد الأمور إلى نصابها في لبنان، وبعد موجات الشحن الطائفية والاشتباكات السياسية والميليشياوية، لا تزال القوى في لبنان قادرة على التلاقي ببساطة وكأنّ شيئاً لم يكن، وبعد طول جفاء بين الجماعة الإسلامية، على سبيل المثال، وحزب الله، ها هما يلتقيان وينوّهان كلّ منهما بدور آخر في عملية المقاومة، ويتحفّظ البعض على الحديث عن «لقاء قد يكون ينطلق من تقارب إقليمي»، علماً أن هناك من يقول إن الجماعة خسرت الكثير نتيجة تحالفها مع تيار المستقبل. لذا، استدارت نحو حزب الله لعلّه يعوّض عليها بعض ما خسرته، وبخاصة في ملف التوزير والكوادر التي انسحبت نتيجة الموقف الوسطي.
مقاطعة إسرائيل: فليذهب جاد المالح إلى… بلادِه
ليس صحيحاً أن جاد المالح مُنِعَ من المجيء لإحياء حفلاته في بيت الدين. كان يجب أن يُمنَع بالتأكيد، لكنه للأسف لم يُمنَع. كما لم تكن معارضة الدعوة من منطلق العداء لليهوديّة، حتى لو أن موقف «المنار» ضعيف هنا، لكن لماذا تصبح معاداة اليهوديّة (وهي مُستنكَرة ومُستفظَعة) أسوأ من العدوان على غزة عند هؤلاء؟
أسعد أبو خليل *
تستطيع أن تقول الكثير في نقد فريق آل سعود ـــــ آل الحريري، لكنك لا تستطيع إلا أن تلاحظ وحدة موقفه وتماسك خطابه وطاعة أدواته. أي أن هذا الإعلام لا يسمح حتى بالفرادة في التعبير في مناصرة هذا الأمير أو ذاك الشيخ النفطي. الأميرُ يأمرُ، والأقلام تطيعُ صاغرة. كان نقد النظام السوري سائداً في هذا الإعلام في الأعوام الماضية: فلبّى الجميع، إلى أن أتت أوامر مختلفة قبل أسابيع، فصمت الجميع. وفي هذا الأسبوع وما قبله، قضيّة جاد المالح هي القضيّة الشاغلة. الجوقة نفسها غنّت وضربت الدفوف أسىً على تمنّع جاد المالح عن زيارتهم وإتحافهم بنكاته. فراس زبيب الكاتب في نشرة «المستقبل» رفض حتى تصديق بيان المالح، وقال ما لم يقلْه المالح نفسه، إنه مُنِعَ من زيارة بلد الأرز والبلّوط. وحازم صاغيّة استعان بالخطاب المبتذل والمُتكرِّر عن «التوتاليتاريّة»، لكن بأسلوب ينمّ عن جهل عميق بالنتاج الأكاديمي عن الموضوع. من المفيد أن نميِّز في دعاية الجوقة بين الحقيقة والاختلاق والخداع.
أولاً، ليس صحيحاً أن المالح مُنِعَ في لبنان. كان يجب أن يُمنَع بالتأكيد، لكنه للأسف لم يُمنَع. ثانياً، لم تكن معارضة الدعوة من منطلق العداء لليهوديّة، حتى لو أن موقف «المنار» ضعيف هنا، لكن لماذا تصبح معاداة اليهوديّة (وهي مُستنكَرة ومُستفظَعة) أسوأ من العدوان على غزة عند هؤلاء؟ ثالثاً، إن قول إبراهيم العريس (الذي وَصَف قبل أشهر مبادرة الحوار بين الملك السعودي وشمعون بيريز بأنها أعظم مبادرة في «تاريخ البشريّة») بأن للمالح تاريخاً طويلاً من التنديد بقمع إسرائيل للشعب الفلسطيني هو مُختلَق في أساسه. وإذا كان في حوزة العريس براهين على ما يقول، فكان يجب أن يقدّمها في مقالته. رابعاً، ليس صحيحاً البتة ما ورد في إعلام آل سعود ـــــ آل الحريري أن البسمة والضحكة لا تستقيمان في المجتمع العربي من دون حفلات للمالح، كما أنه ليس صحيحاً أن المالح هو أظرف كوميدي في «تاريخ البشريّة». خامساً، إن غضب جوقة المالح لا يتعلق بالفن من أجل الفن، بل بالفن لأجل التطبيع مع العدوّ. لهذا، فإن فراس زبيب كان صريحاً عندما قال إن مناصرة المالح للحملة من أجل جندي إسرائيلي مُحتلّ (لنُقلِع في الإعلام العربي عن محاكاة الإعلام الصهيوني في تسمية من ترى فيهم إسرائيل ضحايا لها، وكأن ضحايانا وُلدوا من دون أسماء أو وجوه) يجب أن لا تشكّل عائقاً أمام دعوته وتكريمه في لبنان. أما أمر تأييد فريق 14 آذار الضمني للتطبيع مع إسرائيل فواضح للعيان. تراهم ينتقدون كل أداء النظام السوري باستثناء أمريْن: التزامه عدم قتال إسرائيل والمفاوضات مع إسرائيل. فالأمران محلّ إعجاب عند عليّة 14 آذار. وسامي الجميّل أكّد قبل أسبوع أنه بالتأكيد يسعى نحو سلام مع إسرائيل. وتزامن الأسف على زيارة المالح ـــــ صدفةً طبعاً ـــــ مع مقال لغبريال مراد على موقع «ناو حريري» دفاعاً عن جيش لحد.
وجد فريق آل الحريري في لبنان قضيّة وبطلاً: جعلوا من جاد المالح رمزاً للفن الراقي والأداء الرفيع. الطبقة البورجوازيّة في لبنان لم تأخذ مقاطعة إسرائيل على محمل الجد يوماً من الأيام: حتى في عز المقاطعة بعد 1948، كان أبناء الذوات وبناتهم في «الكوليج بروتستانت» والـ«آي سي» والجامعة الأميركيّة واليسوعيّة يستعينون بالواسطة ليهرّبوا في أمتعتهم إلى لبنان ما ابتاعوه من ماركات وأسماء وسلع من شركات واردة على قائمة مقاطعة إسرائيل. وكلما كان المُقاطَع متحمّساً لإسرائيل أكثر، ازداد اقتناعُهم بموهبة المُقاطَع. قل إنها مغازلة العدو على الطريقة اللبنانيّة. وإعلام 14 آذار اختار أن يناظر محطة «المنار» وحدها في الأمر: وذلك لتسهل المناظرة في ما بينهما، كما هم يتعاملون مع كل نقد لثورة (حرّاس) الأرز على أنه صادر عن عاصم قانصوه وحده. زياد مخول جعل من الحملة ضد المالح إرادة من آيات الله فقط. أراح نفسَه. ومحطة «المنار» في موقع ضعيف: ليس فقط لأنها عن حق حاضنة أحياناً لمعاداة اليهود كيهود، بل لأنها متزمّتة جداً في مسألة الفن والتعبير إلى درجة أنها تقاطع حتى أغاني جوليا بطرس. ينبغي للقيّمين في محطة «المنار» أن يطّلعوا على تاريخ الفن الإسلامي، كما قال نصري الصايغ، وأن يتيقّنوا من أن الطرب والموسيقى والرقص وحتى المجون لا تتعارض مع المقاومة (هل هذا ما عناه نيتشه عندما قال في «هكذا تكلّم زرادشت» إنه يبحث عن إله يمارس الرقص؟).
لكن فريق مثقفي 14 آذار مصابون بنفاق فاقع في مسألة اللاساميّة. آموس عوز (العنصري ضدّنا الذي يفاخر بمشاركته في قتال العرب) عرّف معاداة الساميّة بأنها الظن بأن اليهود هم أسفل أو أفضل من الغير: لهذا، فإن معاداة اليهود عند الملك الحسن الثاني في المغرب كانت من النوع الثاني. وهكذا، يصبح الفنان اليهودي عند فريق 14 آذار أكثر موهبة إذا كان يهوديّاً، على أن يكون صهيونيّاً، لأن هؤلاء شنّعوا بإيران عندما دعت حاخاماتٍ يهوداً إلى طهران لحضور مؤتمر سخيف صادر عن إرادة رئيس يعاني على الأقل من تشكيك بالمحرقة.
لكن مثقفي 14 آذار مُخادعون في محاولتهم الظهور معادين لمعاداة اليهوديّة، وهم يتصنّعون الحساسيّة هنا فقط: 1ــ للظهور بموقع المتفوِّق حيال ثقافة يعتبرونها دونيّة عند «الدهماء» و«الغوغاء»، أو للسخرية من حس العامّة الفني.
2ــ لمحاكاة الرجل الأبيض لأنهم يعتقدون (جهلاً) أن الرجل الأبيض شُفي من معاداة اليهوديّة. وتبلغ هذه المحاكاة درجة مضحكة إلى حد أنهم يتماهون مع الخطاب الغربي ضد الإسلام والتعصّب مع اليهود (لا يعلم هؤلاء أن التشكيك بالمحرقة يصيب خُمس السكّان في أميركا وفقاً لدراسة في كتاب ديبرا ليبستات عن «إنكار المحرقة»). ومحاكاة الرجل الأبيض في لبنان تفسّر اهتمام البعض بإتقان اللكنة الأجنبيّة أكثر من اهتمامهم بإتقان اللغة الأجنبيّة. 3 ــ يجهدون لتحضير جماهيرهم للاستسلام أمام إسرائيل. ونتساءل: حساسيّة ضد العنصريّة من الفريق الذي امتهن العنصريّة ضد الشيعة في لبنان، والأمر فاقع في إعلامهم، والفريق الذي امتهن السخرية العنصريّة من الشعبين السوري والفلسطيني؟ هؤلاء في موقع الوعظ عن الحساسية الليبرالية الفائقة؟ هؤلاء الذين جرّوا خادماتِهم السريلانيكيّات إلى مهرجاناتهم الطائفيّة؟ الأمر مثل المزحة التي لا تنطلي حتى على مطلقيها.
ثم ما السبب في انكفاء الفريق هذا عن انتقاد معاداة السامية في ما بينهم؟ الكنيسة الكاثوليكيّة هي الحاضنة (التاريخيّة) الطبيعيّة لمعاداة اليهود، ولكن من المستحيل أن ينتقد هؤلاء خطاب الكنيسة، مثلاً. وجريدة «الأوريان لوجور» التي تنطّحت لقيادة الحملة دفاعاً عن المالح ليست في موقع الوعظ أبداً: ماذا كان موقف الجريدة من احتلالات إسرائيل وعدوانها عبر السنوات؟ وصاحب الجريدة، ميشال إده، الذي يظن أنه خبير زمانه في شؤون اليهوديّة والصهيونيّة، والذي تقلّ معرفته في الموضوع عن… أحمد الشقيري، حاول إقناعي قبل بضع سنوات في بيروت بأن اليهود في نيويورك كانوا على علم مُسبَق بأحداث 11 أيلول، وأنه لم يمتْ أي يهودي أو يهوديّة في 11 أيلول. وعندما حاولت أن أبيّن له جهلَه، أصرّ على موقفه وقال إن اليهود في نيويورك لزموا منازلهم ذلك اليوم. هل يجرؤ هؤلاء على انتقاد لاساميّة ميشال إده؟ ولا ننسى أن مثقفي 14 آذار هم جزء من حركة تمتدّ من حزب النازيّة اللبنانيّة لتصل إلى فريق السلفيّة الوهابيّة الذي لا يزال يستعين بخطاب عن «أحفاد القردة والخنازير». فاتتهم الإشارة وفاتهم وجود خالد ضاهر في صفّهم.
الموضوع متعلّق ـــــ يقولون ـــــ بحريّة التعبير. وهم يتحدّثون ـــــ والرجل الأبيض دائماً هو نصب أعينهم ـــــ وكأن هناك حريّة رأي وتعبير مطلقة في الغرب. لكن حريّة الرأي المطلقة ليست موجودة، ولا حتى نظريّاً. وجون لوك (أبو الليبراليّة النظريّة) أفرد قسماً في نهاية كتابه «عن التسامح» ليؤكّد أن تسامحه لا ينطبق على الجميع، وذكر في من ذكر «الأتراك» (وهي الإشارة الأوروبيّة إلى الإسلام آنذاك). وإهانة اليهود والتشكيك بالمحرقة جريمة في كندا وفرنسا وعدد من الديموقراطيّات الغربيّة التي لا تزال تحرّم بعض الإيديولوجيّات التي تراها مُنفّرة أو مُحرَّمة كما تفعل ألمانيا. وإسرائيل التي يتمثّل الليبراليّون العرب بها لا تزال تلتزم مقاطعة شبه تامّة للنتاج الموسيقي لفاغنر. وهل يوافق فريق مُناصري المالح على أن الأخير ليس في مرتبة موسيقى فاغنر؟ ورفيق الحريري الذي يؤلّهون خاض معارك قاسية ضد الإعلام ـــــ أو ضد مَن بقي من الإعلام غير المُمَوَّل منه ـــــ عندما رأى إهانة لشخصه أو لشخص واحد من ملوك شخبوط، أو للرئيس السوري (كما حصل معي أنا عندما مُنعَ كتاب صادر في الغرب لأنه تضمّن دراسة لي عن السياسة الخارجيّة السورية التي اعتبرتها حكومة الحريري في منتصف التسعينيات «مُهينة» للرئيس السوري).
كل دولة وكل مجتمع يستنبط معايير خاصة به للاستثناء من حريّة التعبير (والقائمة طويلة جداً هنا في أميركا بناءً على معايير الحرب ضد الإرهاب كما كانت بناءً على معايير الحرب ضد الشيوعيّة من قبل).
يحاول زياد مخول أن يتصنّع معركة جريئة ضد آيات الله، لكنهم في صف 14 آذار يحاربون آيات الله ليس بفولتير أو فرح أنطون أو روبسبيير، بل بالبطريركيّة وبدار الإفتاء وبمحمد علي الجوزو وبالرهبانيّات المارونيّة. هؤلاء يحاربون فكر الخميني بفكر… ابن باز. هؤلاء يناصرون المفاهيم القروسطيّة (مثل «الحرم الكبير» الذي لوّحت به الكنيسة هذا العام في أكبر خرق لحريّة التعبير في لبنان). والكنيسة تحارب حريّة التعبير في كل الأشكال: ضد «كود دافنشي» وضد بعض الفرق المسيحيّة و«عبَدَة الشيطان» وشهود يهوه إذا ما شكّلوا خطراً على الكنيسة. هؤلاء، لو عاد أسعد الشدياق، لبالوا عليه مرّة أخرى. الذين صمتوا عن قرار الكنيسة في عام 2009 بالتهديد بـ«الحرم الكبير» وبمحاكم التفتيش، لا يحقّ لهم الوعظ في حريّة التعبير. لكن كل هذا، بالإضافة إلى فرمان طارق متري للرقابة العليا على الصحافة، لم يثرْ حفيظتهم: لا بل كان مثقفو 14 آذار وصحافيوها من أنصاره، وطالبوا بالمزيد من تقييد الحريّات «لعيون الشيخ سعد».
كان يمكن أن يتعامل المرء مع نورا جنبلاط على أنها خارج الطاقم السياسي، وأفراد عائلات رجال السياسة في لبنان يجب أن يبقوا ويبقين في منأى عن السجال، إلا إذا اختاروا أن ينزلوا إلى حلبة السياسة. فنورا جنبلاط اختارت ألا تتراجع عن موقفها بدعوة صهيوني، غير مُعتذِر، جاد المالح، إلى مهرجانات تديرها هي من أجل الترفيه عن بورجوازيّة لبنان. ومن اللافت أن نورا جنبلاط عقدت مؤتمرها الصحافي محاطة بعليّة النازيّة اللبنانيّة، مثل نديم الجميل وإيلي ماروني. كان المشهد لافتاً. أن تُحاط بنديم الجميل وإيلي ماروني بالذات: الأول التقى من دون اعتذار مع حفيدة إسحق رابين في حفل عام وعلني في لندن، والثاني صاحب الاقتراح الشهير باقتحام مواقع حزب الله لنزع سلاحه لحساب… شرعيّة حزب النازيّة اللبنانيّة. لكن أمين الجميّل رفض ـــــ حسبما قال ـــــ أن يزايد عليه أحد في ما يتعلّق بالقضيّة الفلسطينيّة: الذي نصّبته دبابات إسرائيل والذي أشرف على عقد اتفاق استسلام بين لبنان وإسرائيل، والذي وعد حكّام إسرائيل ـــــ كما تذكر المراجع العبريّة ـــــ بأن يذهب أبعد من أخيه… يرفض أن يُزايَد عليه في القضيّة الفلسطينيّة، مع أن الكلّ في لبنان يستطيع أن يزايد على الجميّل، ربما باستثناء أنطوان لحد أو زياد الحمصي. لنورا جنبلاط أسبابها التي دفعتها إلى أن تحيط نفسها بالاثنيْن، إضافة إلى تمام سلام وطارق متري. (حتى زياد بارود أقحم نفسه إلى جانب المالح مع أنه كان يجب أن يهتم بأمر المال السعودي في الانتخابات وأمر تصريح بطريرك أنطاكية المُخالف للقانون الانتخابي).
أولاً، ما علاقة تمّام سلام بالثقافة، ومَن أئتمنه على شؤونها؟ وهل سمعنا بدور لوزير الثقافة هذا قبل مسألة جاد المالح؟ أي أن الوزير سلام اعتبر أن قضيّة المالح هي أهم قضيّة تمرّ عليه في الوزارة. وماذا قال سلام؟ قال إنه سمع بالإنترنت وإن ليس كل ما يُنشر على الإنترنت صحيحاً. هذه الدرر الثقافيّة لسلام نوّرت المؤتمر الصحافي. وطبعاً، برز طارق متري المتحمّس الأكبر في الأمر. تساءل طارق متري ساخراً ـــــ مع أنه كان في فرمانه لفرض رقابة حريريّة عليا على الإعلام قد اقترح منع السخرية والتهكم ـــــ إذا كان إلغاء حفل جاد المالح سيساعد في «تعزيز مواجهة لبنان للعدوانيّة الإسرائيليّة». فات الوزير أن يلاحظ أن لبنان الرسمي لا يواجه عدوانيّة إسرائيل ولم يواجهْها في تاريخه قط. صبية وفتية وفتيات تطوّعوا في تاريخ لبنان المعاصر لمواجهة عدوانيّة إسرائيل، فيما تقاعست الدولة: من أيام بشارة الخوري ومجيد إرسلان إلى أيام فؤاد السنيورة والياس المرّ. لكن، يمكن الإجابة عن سؤال طارق متري بالإيجاب. إن إلغاء حفل جاد المالح أجدى بكثير، مثلاً، من ذلك الخطاب الفاشل والباهت الذي ألقاه طارق متري في مجلس الأمن في حمأة العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. أي أن طارق متري هو آخر من يحق له النصح في موضوع مواجهة عدوانيّة إسرائيل. كان لمتري الفرصة للإسهام في مواجهة إسرائيل عندما كان في موقع المسؤوليّة أثناء عدوان إسرائيل على لبنان، وسقط. لكن متري لا يُؤخذ على محمل الجد: فإسم الرجل تحوّل إلى حالة. ولاحظنا أن متري أصدر بياناً خاصاً بالموضوع: تحمّس طارق متري لمجيء جاد المالح إلى لبنان أكثر من حماسته ضد عدوان إسرائيل على لبنان.
لكن السجال مع هؤلاء في فريق آل الحريري شيء، والحوار مع الرفيق بيار أبي صعب شيء آخر، لأن الأخير مدافع عنيد عن مقاومة إسرائيل. الرفيق بيار يختلف معنا في الموقف ويطالب بالسماح للمالح بالمجيء إلى لبنان. يفسر بيار ذلك بسبب أخطاء وردت في بعض المواقع الإلكترونيّة عن المالح. وهناك حديث عن صور مركّبة، وعن مزاعم غير صحيحة. لكن كل هذا لا يهم. المهم ما هو ثابت وأكيد: أن المدعو المالح أيّد جنود إسرائيل وناصر الكيان الغاصب. يكفي هذا. الباقي تفاصيل. هناك من يحاول (مثل طارق متري) أن يتلاعب بمعايير مقاطعة إسرائيل عبر القول إن المقاطعة يجب أن تتوجّه ضد جنود الاحتلال وحدهم. ولا نستبعد أن يفتي متري بعد قليل بأن المقاطعة يجب أن تستهدف فقط هؤلاء الجنود من جيش العدو الذين صوّبوا وأصابوا فينا مقتلاً. أما الباقون، فيرحّب بهم متري ويتطوّع إيلي ماروني للرقص أمامهم بالشمعدان في مطار بيروت الدولي. أي أن المقاطعة التي بدأت بمقاطعة كل من يقدّم العون اللفظي أو المعنوي أو المادّي للدولة الغاصبة باتت تكتفي فقط بمقاطعة البعض ـــــ لا الكلّ ـــــ في جيش العدو. (وهناك من المواطنين والمواطنات في دول غير إسرائيل ممن خدم في جيش الاحتلال، مثل رئيس أركان البيت الأبيض، رام عمانوئيل).
يقترح الرفيق بيار عن حسن نيّة أن نستخدم حضور المالح إلى لبنان لمناظرته أو إقناعه. الأمر أكبر من ذلك بكثير. يمكن مناظرة المالح على أرض محايدة كخصم يحمل أفكاراً معادية، ولكن ليس لإقناعِه، بل لإقناع جمهور من الطرف الثالث. المالح حزم أمره إلى جانب جيش العدو. والخلاف مع العدو ليس سوء تفاهم أو خلافاً عابراً يمكن أن يُحلّ على فنجان قهوة (أو شاي، على طريقة أحمد فتفت).
إنه خلاف أراده العدو بالحديد والنار: وهذا ما عناه أمل دنقل: «نَقتل أو نُقتل. هذا الخيار الصعب». ولم تتسربل حركات تحرّر وطني في تاريخها بنزعات لإقناع مهذّب للعدو ـــــ المحتلّ. التهذيب مع العدو ليس من شيم ثوار التحرّر، وإلا لكانت الجزائر كما أرادها المُستعمر الفرنسي، فرنسيّة مثل باريس، أو لكان مثقفو باريس قضوا وقتاً أطول في التسكّع في المقاهي خلال الحرب. المقاطعة التامّة هي أضعف الإيمان (بمقاومة العدو) في هذه الحالات، حتى لو تناقضت مع حسابات كل الأنظمة العربيّة (من سوريا وقطر إلى مصر والسعوديّة) الغارقة في وحول التطبيع طمعاً برضى أميركي.
أما القول إن المالح ينتمي إلى بيئة متعاطفة مع إسرائيل لإعفائه من المسؤوليّة الأدبيّة والأخلاقيّة، فهذا الكلام ينطبق فقط على الرضيع والأخرق، فالكل ينشأ ويترعرع في بيئات محمّلة بالتعصّب والعنصريّة والعداء للمرأة، لكن المرء يصل إلى سن يتحمّل فيها مسؤوليّة ما يحمل (أو تحمل) من أفكار وقيم. وهناك في أميركا وكندا من اليهود ممن ينتقدون إسرائيل أكثر بكثير من بعض العرب ـــــ هنا وهناك. الراشد مسؤول عن أعماله وكلامه، لا البيئة التي ينتمي إليها، وإلا فإن الأعذار التخفيفيّة واجبة على كل مناصري إسرائيل ومناصراتها في الغرب.
الأمر خطير: هناك من يريد أن يُروّج للتطبيع مع إسرائيل تحت مسمّيات مختلفة: السلام أو الفن الرفيع أو حب الحياة أو الحوار بين الأديان أو الانفتاح أو ترشيح عربي لمنصب مدير الأونيسكو. وهناك في لبنان من تاق حتى قبل إنشاء دولة الكيان الغاصب، لسلام مع إسرائيل. لبنان مسخ وطن يستقبل فيه رئيس الجمهوريّة، ميشال سليمان ـــــ مع نبذ الألقاب ـــــ وغيره من الساسة سفير «فرسان مالطة»، وما أدراك ما «فرسان مالطة». لبنان كان ثاني دولة عربيّة توقّع اتفاق سلام مع إسرائيل. لم ننسَ.
———————————-
ملاحظة: نشر موقع «العربية» مقالي عن إيران، لكنه حذف منه كل النقد للأنظمة العربيّة وللإعلام السعودي. طبعاً، ليس مستغرباً ألا تلتزم وسائل إعلام آل سعود المعايير المهنيّة والحِرَفيّة (مثلما سرق موقع «ناو حريري» خبراً من مدوّنتي من دون ذكر المصدر) لكنني أحببت إطلاع القارئ والقارئة في العالم العربي على الأمر.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)
كيف اقترعت طوائف لبنان الأربع الكبرى؟
جان عزيز
كيف نقرأ نتائج الانتخابات الأخيرة، وإلى أين منها؟ ثلاث مقاربات ممكنة لذلك: منها الاستنتاج أولاً مثلاً، أن شيئاً لم يتغير بنتيجة هذا الاستحقاق. فالأكثرية النيابية لا تزال على أكثريتها. والأقلية كذلك. والنزاع على شرعية موقع كل من الاثنتين لا يزال على حاله. وبالتالي، نجح الاستحقاق في تأبيد وضع لبناني قائم على توازن غير ثابت. وهو الوضع الذي حاول اتفاق الدوحة تطبيعه،في انتظارظرف أفضل لم يأتِ.
غير أن مقاربة ثانية ممكنة، وهي الملاحظة أن انتخاباتنا الأخيرة، أشّرت إلى عمق أزمة الديموقراطية في نظامنا. في الشكل، يكفي الاستذكار، بأن أبسط تعريف «شكلي» للديموقراطية، هو قدرة ناس على تغيير حكومتهم، بواسطة صندوق الاقتراع. لكن إذا ما دقّقنا في نتائج استحقاقنا الانتخابي، يتبيّن لنا أن هذه العوامل سقطت في لبنان. فمن جهة أولى، ثمة أكثرية شعبية، أفرزتها صناديق الاقتراع، لم تتمكن من تغيير حكومة قائمة. ومن جهة ثانية، ثمة أكثرية نيابية خرجت من رحم قانون الانتخاب، ولم تتمكّن من إعادة تكوين السلطة التشريعية والتنفيذية. أما مؤشر الأزمة في المضمون، فتكفيه الإشارة إلى تخلي الأكثرية النيابية عن جوهر خطابها الانتخابي. وهو ما جعل من ديموقراطيتنا المفترضة برلمانية، في مرحلة أولى، حكماً بأشخاص الأكثرية، لكن بأفكار الأقلية، وفي مرحلة ثانية، حكماً بأفكار الأقلية، وبأشخاص الأكثرية والأقلية معاً.
ليبقى مؤشر الأزمة البنيوية لديموقراطيتنا، في أن يكون قد صرف على هذه الانتخابات نحو 750 مليون دولار، في بلد، لا يتعدى مجموع إنفاقه الإعلاني الفعلي والصافي، 80 مليون دولار. أي إن كل مجالات حياة اللبناني ينفق عليه نحو عشرين دولاراً فقط، على كل مقيم في لبنان من أصل ملايينه الأربعة، طيلة 365 يوماً. فيما أنفق نحو 750 مليون دولار أميركي، على أقل من 750 ألف مقترع، حصدت أصواتهم الأكثرية النيابية. أي ما معدله أكثر من ألف دولار، لكل مقترع. أي نحو 50 ضعفاً مما ينفَق إعلانياً على كل لبناني طيلة العام. وإذا تذكّرنا أن هذا الإنفاق جرى في خلال 60 يومأً، لا في غضون 365 يوماً، تصير المعادلة أن الأكثرية النيابية أنفقت لإقناع كل مقترع لها، 300 ضعف ما ينفق لإقناع كل لبناني في كل مجالات حياته الخاصة والعامة. وهو ما يطرح السؤال: إلى أين بنيوية ديموقراطيتنا حين تصير الديموقراطية والحق في التمثيل نادياً مقفلاً على أصحاب المليارات الدولارية.
لكن تبقى مقاربة ثالثة، وهي السؤال: كيف يمكن توصيف دينامية الجماعات اللبنانية، بين عامي 2005 و2009، بناءً على أدائها الانتخابي.
أكثرية الجماعة الشيعية مثلاً، ظلت على استقرارها «المطمئن»، خطاباً وزعامةً. فقبل أربعة أعوام اقترعت لمصلحة سلاح المقاومة، ولزعامة ثنائية هذا السلاح. وسنة 2009، كررت الأمر نفسه. فالخيار الشيعي الآخر الجديّ، وأَده التحالف الرباعي سنة 2005. لا بل ذبحه من الوريد الديني مع اللقاء الشيعي والسيد محمد حسن الأمين، إلى الوريد اليساري مع حبيب صادق ورفاقه.
في المقابل، شهدت أكثريتا الجماعتين السنية والدرزية، انقلاباً في خطابهما السياسي، واستقراراً في خيارهما الزعاماتي. فسنة 2005، اقترعت أكثريتا السنّة والدروز للدفاع عن سلاح حزب الله، من جهة، ولزعامة كل من الحريري وجنبلاط من جهة أخرى. وسنة 2009، ظلت الأكثريتان المقصودتان، مع الزعامتين نفسيهما، لكن بخيار مناقض، أي ضد سلاح المقاومة. ماذا تعني فعلياً هذه المفارقة؟ إنها الدليل ربما على طغيان وجدان السلطة في شكل مُلغٍ لما عداه، لدى الجماعة السنية. فيما المفارقة نفسها، دليل على طغيان وجدان «التستر بالمألوف» ربما، لدى الجماعة الدرزية، حيث الأساس هذا الإحساس الأقلوي الخائف…
يبقى المسيحيون، حيث الفوضى العارمة. فسنة 2005، اقترعت أكثرية مسيحية ساحقة لزعامة ميشال عون، ورد الفعل على اصطفافات الآخرين، ولبناء دولة مدنية نظيفة، ولمروحة أخرى من التصورات الذاتية المستدخلة والمستبطنة، بدءاً بوهم لبنان القوي، وأساطير لبنان الكبير ــ أو الصغير! ــ وصولاً إلى رفض زمن الميليشيا ورموزها، وتماثل الزعيم المسيحي الأول، الذي يشبه سوسيولوجياً، الطبقة الوسطى، في جبل لبنان… المسيحي.
في سنة 2009، انقسم المسيحيون، وبنسب تُقارب التساوي، بين مروحة لا تقل عن 30 عاملاً: فهناك نحو نصف المسيحيين اقترعوا لخطاب الضد سوريا وضد السلاح غير الشرعي وضد ولاية الفقيه وخطرها الداهم فوراً على فتيات مونو والجميزه، وضد تكوين ثقافة مجتمعية كاملة لا تشبه لبنان، وضد تشريق المسيحيين، وضد مناهضة الغرب، وضد مقاومة إسرائيل، وضد الالتزام بالقضية الفلسطينية خارج حدود النيات…ومع الالتزام بروح 14 آذارالأثيريةالهائمة في مكان ما
وفي المقابل، نحو النصف الآخر من المسيحيين، اقترع لخطاب الضد الفساد، وضد سلطوية عائلة وأصولية فئة، وهيمنة خارجية أو خليجية، وضد خيارات تهمّش الحضور المسيحي، أو تحوّلة حكراً على «معاملتين كبيرة»، بحجم موناكو الصغيرة أو سدوم الأصغر، وضد أداء حربائي يتلوّن مع كل وصاية أو أهواء، للبقاء في السلطة…
انقسم المسيحيون، فأثبتوا أنهم متفاعلون. لكنهم في بلبلة فكرية.
ثلاث مقاربات، يطرح بعدها السؤال: كيف يعاد بناء الدولة؟ احتمالات اليأس كبيرة. لكن الكوّة المفتوحة للرجاء، تبدو في توافق على ضرورة عدم الموت، في انتظار اتفاق على كيفية الحياة.
عندما تتحول «الثقة» إلى عبء!
المصارف تطرح خفض الفائدة على الودائع بالليرة
لمواجهة مأزق السيولة
بدأت المصارف تحرّكاً مكّثفاً لإقناع السلطتين النقدية والمالية بضرورة خفض الفائدة على الودائع بالليرة وتضييق الهامش مع الفائدة على الدولار، وذلك بهدف الحدّ من عمليات التحويل نحو الليرة للودائع الموجودة والمتدفقة… إلا أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة لا يزال يتحفّظ على هذا الاتجاه نظراً لانعكاساته على حجم موجوداته بالعملات الأجنبية، الذي ارتفع إلى أكثر من 23.5 مليار دولار، وبات يمثّل عنوان «الثقة» بالأوضاع النقدية وثبات سعر صرف العملة المحلية.
التمسّك بهذا العنوان لـ«الثقة» بات مكلفاً جداً، إذ اضطر مصرف لبنان طوال الأشهر الماضية إلى التدخّل لامتصاص السيولة الفائضة لدى المصارف، فألغى عملياً «الاحتياطي الإلزامي» في تعاميمه الأخيرة لتحفيز التسليف بالليرة للأسر والمؤسسات، وأصدر شهادات إيداع بكثافة على مدى طويل نسبياً بفوائد مرتفعة تصل إلى 9.25% على خمس سنوات. والمعروف أن كلفة هذه الأداة النقدية الطويلة المدى لا تنحصر بالفائدة المرتفعة، بل أيضاً بترتّب الفائدة على سنوات عدّة مقبلة لمعالجة مشكلة قائمة الآن، وبمنافستها لسندات الخزينة التي تصدرها الحكومة لتمويل عجزها، إذ استنكفت المصارف عن الاكتتاب بهذه السندات بحثاً عن العائد الأعلى المتوافر في الشهادات، وهو ما اضطر مصرف لبنان، مرّة أخرى، إلى تغطية العجوزات في الاكتتابات المتلاحقة في سندات الخزينة لترتفع حصّته إلى ما يوازي ربع الدين العام المحرر بالليرة.
انطلاقاً من هذا الواقع (وتضارب المصالح والأهداف فيه) اضطرت وزارة المال إلى القبول بإصدار سندات خزينة بالليرة لمدة 5 سنوات بفائدة قريبة من الفائدة المدفوعة على شهادات الإيداع، إذ تتوقّع المصادر أن تبلغ هذه الفائدة نحو 9% على الأقل، وقد مُهِّد لهذه الخطوة بإعلان مصرف لبنان إيقاف إصداراته من الشهادات. وقال وزير المال محمد شطح في اتصال مع «الأخبار» إن قرار مصرف لبنان اتُّخذ بالاتفاق مع الوزارة، وستُصدَر سندات خزينة طويلة الأمد (5 سنوات) بدلاً منها في مسعى «للتحكم بأسعار الفائدة على الودائع بالليرة اللبنانية وخفضها تدريجاً». وقد اتُّفق مع وفد من جمعية المصارف (زاره أمس) على إصدار أول سندات خزينة من هذه الفئة في مزاد المناقصات الأسبوعي الذي يلي المزاد المقبل، وتوقع أن يبلغ سعر الفائدة عليه وفقاً للأسعار الموجودة حالياً في السوق المالية، إلا أنه سيكون أدنى من 9.25% (وهو آخر ما بلغه سعر فائدة شهادات الإيداع)، وأعلى من الفائدة على سندات الخزينة المصدرة لمدة 3 سنوات البالغة 8.4%.
وأشار شطح إلى أن هناك اتفاقاً على ضرورة امتصاص السيولة الفائضة بالليرة في القطاع المصرفي، «إلا أنه يجب عدم اعتماد أدوات نقدية طويلة الأمد، كشهادات الإيداع، لأنها مُكلفة جداً مقارنة بأسعار الفوائد الحالية، فالفائدة المثقلة على سندات الخزينة لمدة 3 سنوات (36 شهراً) تبلغ 8.4%، وفي المقابل كان إصدار شهادات إيداع لمدة خمس سنوات بفائدة تصل إلى 9.25%، فيما أسعار الفائدة تستمر بالتراجع تراجعاً شبه يومي، وبالتالي كان يجب أن يكون امتصاص السيولة الفائضة على المدى القصير (60 يوماً) للتخفيف من كلفتها».
ورأى شطح «أن من أهم واجبات مصرف لبنان أن يمتصّ أي سيولة فائضة بالليرة في القطاع، ولديه طرق أساسيّة، منها ما تكون عبر الاحتياط الإلزامي، التدخّل في السوق الثانوية، إصدار شهادات إيداع لفترات قصيرة، وما جرى في الأشهر الأخيرة هو أن الأموال اتّجهت إلى لبنان للاستفادة من أسعار الفائدة على الودائع في لبنان، وهي مرتفعة نسبياً، وقد استقبل القطاع المصرفي نتيجة هذا الأمر إيداعات كبيرة أتت من دول الخليج، وبالتالي بات تأثير ارتفاع أو انخفاض سعر الفائدة على الودائع كبيراً، وهذا أمر يجب التحكّم فيه لا تركه للسوق».
ولفت شطح إلى أن مصرف لبنان نجح في امتصاص السيولة بواسطة شهادات الإيداع، «إذ كانت المصارف تحتاج إلى توظيف هذه الأموال لتضمن كلفتها التي لا تقل عن 7 في المئة زائداً نقطتين مئويتين على الأقل، وبالتالي استوعب مصرف لبنان الأموال الفائضة عبر هذه الشهادات، ولم يكن بإمكان سندات الخزينة استيعابها بسبب وجود فائض في الاكتتابات، إذ كان لديها ما يكفي ولا تريد الاستدانة أكثر…». ويبدو أن هذا السياق كانت له نتائج سلبية على مصرف لبنان الذي امتص بما يفوق طاقته بكلفة مرتفعة طويلة الأمد. ويشير شطح إلى «أن الأمر استوجب أن تُدار المسألة بطريقة تمكّننا من إيجاد توازن في أسعار الفائدة على الودائع وخفضها تدريجاً، ولا سيما أن آلية امتصاص السيولة عبر شهادات إيداع طويلة الأمد كانت مرتبطة بمردود مرتفع لموجودات المصارف، وبالتالي يقتضي الأمر وضع أسعار الفوائد على الودائع على منحى انخفاضي، لأن العامل الأبرز في أسعار الفائدة بالليرة هو سندات الخزينة.
من جهته، رأى الأمين العام لجمعية المصارف مكرم صادر أن المصارف ليست قلقة من خفض التدفقات النقدية إلى لبنان إذا انخفضت أسعار الفائدة على الودائع، «فالمهم أن يبقى لنا هامش من الربح، وهذا يوجب خفض الفائدة على الودائع بالتوازي مع خفضها على سندات الخزينة». أما في الفترة السابقة، فقد كان مصرف لبنان يستوعب هذه السيولة بهذه الكلفة التي تعدّ مرتفعة، والسبب أن «60 في المئة من دين المصارف للدولة هو بهامش صفر في المئة، فاضطر مصرف لبنان إلى أن يغطي هذا الأمر»، أي إن مصرف لبنان كان يدفع أرباح المصارف عن أموالها الموظّفة في سندات الخزينة وذلك عبر شهادات الإيداع، وكل هذا الأمر تحت عنوان «الاستقرار النقدي». فإذا اختل التوازن في الفوائد يمكن أن يؤدي الأمر إلى انكسار سعر صرف الليرة الثابت.
"بيروت عاصمة عالمية للكتاب":
مكتبات البيع هي الحلقة الضعيفة
مود اسطفان - هاشم
استاذة في كلية الاعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية
تحديات جمة تواجه قطاع الكتاب في لبنان، من شأن استمرارها وعدم معالجتها افراغ هذا القطاع من حيويته في الحياة العامة ودوره المركزي في البناء الثقافي والحضاري، والتأثير على مكانة بيروت في عالم لغة الضاد، كعاصمة للابداع والنور والثقافة.
من هنا فان اعلان "بيروت عاصمة عالمية للكتاب" قد يكون أو ينبغي أن يتحول الى مناسبة هامة لدعم قطاع الكتاب في لبنان، فلا يبقى على مدار العام المخصص له مجرد عراضة اعلامية ودعائية واعلانية تنتهي بمجرد انتهاء الفترة المحددة له.
ولذلك فان دعم قطاع الكتاب يتم من خلال عدد كبير من البرامج تتصل بتطوير صناعة الكتاب ورفع مستواها المهني من جهة، وتوسيع نطاق أو دوائر الطلب على الكتاب وتعميم أو اشاعة عادة المطالعة الآخذة في الانحسار لأسباب عديدة من جهة أخرى.
وبالنسبة لصناعة الكتاب فإنها تتميز بترابط حلقاتها، من التأليف والنشر والترويج والتوزيع والبيع وإتاحة الكتب في المكتبات العامة، بحيث تؤثر كل حلقة أو مرحلة من مراحلها على مسار عمل القطاع بأكمله وقدرته على النمو. ومن بين أبرز ما يواجه القطاع من مشكلات، تلك التي تواجه مؤسسات النشر وتهدد ديناميتها ودورها الترويجي الابداعي وتنوع انتاجها، وذلك بسبب ما يحصل من تزوير للأعمال الناجحة وانحسار الطلب على الكتب، وهيمنة الاعتبارات التجارية على أي اعتبار ثقافي، وصعوبة الترويج لعناوين عديدة ومختلفة، وتراكم النسخ في المستودعات دون أن تجد شاريا لها، الخ… ويعود الدور الأساسي هنا إلى بائع الكتب الذي يستطيع أن ينشّط السوق الداخلية للكتاب ويؤمن التواصل بين الكتاب وجمهوره ويطبع المشهد الثقافي العام من خلال اختياره للعناوين التي يبرزها ويلفت النظر اليها.
ومع أن لبنان يحظى ببعض المكتبات الكبيرة والمتوسطة الجميلة والجذابة والنشيطة، مقارنة مع عدد من الدول العربية الاخرى التي تغيب عنها مكتبات نوعية، إلا أننا نرى بعض مكتبات البيع تقفل أبوابها كمكتبة رأس بيروت العريقة، ويتحوّل البعض الآخر الى تجارات أخرى أكثر ربحا كتجارة الألعاب والقرطاسية. ولم يثر واقع مكتبات البيع حتى الآن سوى اهتمام بعض أصحاب المهنة أنفسهم الذين يشتكون من تهميش الفاعلين في قطاع الكتاب لهم، ولا ينفكون يطالبون بتنظيم قواعد ممارسة المهنة. كما أن أية دراسة ميدانية لم تنشر عن أمكنة بيع الكتب والقيمين عليها، أما الإحصاءات الدقيقة في هذا المجال، فغائبة. لذلك هذه الورقة تحاول أن تعرض لواقع مكتبات البيع وطرق العمل المتبعة، متسائلة عن مدى الاحتراف في الممارسات المهنية وقدرة صناعة الكتاب في لبنان على الارتكاز على شبكة من المكتبات الفعالة.
تتمركز مكتبات بيع الكتب المسجلة لدى نقابة أصحاب المكتبات في بيروت الكبرى بنسبة 36%. أما في المدن الأخرى فعدد المكتبات محدود كحال طرابلس (3 فقط) وصيدا (6) وزحلة (3) وجبيل (3) الخ ، مع غياب شبه تام لمتاجر الكتب في القرى والبلدات الصغيرة. ولكن معطيات النقابة ناقصة إذ تبيّن، من خلال مسح قام به طلاب كلية الإعلام خلال العام 2008 لمكتبات البيع في بيروت وضواحيها، (•) أن هناك عددا كبيرا من المكتبات (37 على 96 مكتبة تم مسحها) غير مسجلة في النقابة، لأسباب عدة ربما تعود إلى النزعة الفردية في العمل وعدم الاكتراث بضرورة التضامن المهني، لا بل عدم الثقة بهذا النوع من التجمّعات المهنية.
شمل المسح 96 مكتبة موزّعة كالتالي: 38 مكتبة في بيروت و37 في الضاحية الجنوبية و21 في الضواحي الشمالية. ورغم أننا سعينا إلى تأمين تغطية لجميع أحياء بيروت وضواحيها، من خلال مشاركة طلاب كلية الاعلام – قسم إدارة العلومات بفرعيها، إلا أن المشاركة كانت متفاوتة مما أدى إلى التفاوت في التوزيع الجغرافي للمكتبات. ورفض عدد من أصحاب المكتبات الإجابة عن اسئلة الطلاب فاكتفى هؤلاء بتسجيل الملاحظات الوصفية. ورغم النقص في المعلومات وفي التغطية، نعتقد أن المعطيات التي تمكنوا من جمعها تعكس صورة لواقع هذه المهنة كما تمارس في بلدنا، وتظهر النقص في الاحتراف، وهو ما سنحاول تبيانه في ما يلي.
مهنة بيع الكتب قديمة في لبنان، كانت النشاط الأساسي لعدد من العائلات التي دخلت قطاع النشر والتوزيع بعد سنوات من الخبرة في بيع الكتب لا سيما المدرسية منها. ولكن العديد منها دخل عالم تجارة الكتب في العقدين الأخيرين، فقد تبيّن من العينة أن 25% من المكتبات يعود تأسيسها إلى ما قبل 1975، و30% بين 1975 و1990 بينما 45% منها أسس بعد 1990. بطبيعة الحال فقبل 1975، كانت بيروت هي المركز، بينما نمت الضاحية الشمالية خلال الحرب الأهلية من 1975 الى 1990، وتشهد الضاحية الجنوبية حركة صاعدة من تأسيس المكتبات منذ 1991 وقد زادت بعد العام 2000 بشكل ملحوظ (8 مكتبات تأسست قبل العام 2000 في مقابل 14 مكتبة تأسست ابتداء من 2000 في الضاحية الجنوبية).
صحيح أن قسما هاما من دور النشر كان مركزه ومستودعاته في هذه المنطقة قبل العام 1991، ولكن التوجه إلى استقلال المناطق والأحياء عن بعضها"، وتوسّع الحركة التجارية داخل الضاحية الجنوبية، دفع الناشرين إلى فتح مراكز بيع منشوراتهم إلى جانب المستودعات. والجدير بالذكر أن نصف المكتبات الموجودة في الضاحية الجنوبية تعمل كواجهة توزيع لدار نشر. فما زالت ممارسة مهنة النشر عندنا غير منفصلة عن مهنة التوزيع والبيع، إذ يميل معظم الناشرين اللبنانيين الى القيام بالتوزيع والبيع الى جانب نشاطهم كناشرين، يتجولون من معرض عربي الى آخر ومن عاصمة الى أخرى ويتصلون مباشرة بالجمهور وبالمدارس والمكتبات. وينسجم امتلاك مكتبة بيع مع هذا التوجه خاصة أنه يبقيهم على صلة مباشرة مع السوق.
60% من المكتبات التي زارها الطلاب هي مؤسسات صغيرة، حرفية، تقوم بنشاط متواضع في حدود المتجر نفسه، بينما 40% منها جزء من مؤسسة كبرى. تكون المؤسسة – الأم شركة توزيع في حال 12% أو شبكة مكتبات في حال 12% ايضا، وغالبا دار نشر(30%) ومنها من يقتصر عمله على بيع وتوزيع منتجات المؤسسة الأم.
بشكل عام يشكو القطاع من ضعف في الاحتراف ومن اكتفاء معظم الذين يديرون مكتبات البيع بخبرتهم العملية ولا يشعرون بحاجة إلى تطويرها. هكذا فعدد الذين تابعوا دورات في طرق إدارة مكتبات البيع قليل (8). يتزوّد بائعو الكتب مباشرة من الناشرين، مستندين الى علاقاتهم الشخصية بهم، ونادرا ما يلجأون الى قواعد معلومات عن الكتب المنشورة أو أي من أدوات العمل التي تبدو عادة ضرورية لعمل منتظم ومنهجي: 8% من المكتبات تستخدم قاعدة معلومات عن الكتب المنشورة، و21% من المكتبات تكتفي بالاتصال المباشر مع الناشرين. لا تعتمد الا 3% من المكتبات على وسيط كشركة التوزيع.
ما زال العمل في مكتبات البيع تقليديا يدويا، و62% من المكتبات لم تمكنن اعمالها ابدا. اما المكتبات التي تستخدم التجهيزات والبرامج المعلوماتية فيقتصر استخدامها على برامج مكتبية عامة، ويستخدم 11% فقط برامج محترفة professional مخصصة لعمل مكتبات البيع.
تبقى المهنة كما يمارسها اللبنانيون فردية حرفية متواضعة، ففي الغالب يدير صاحب المكتبة بنفسه متجره (66%)، دون معاون في 29% من الحالات، ما عدا بعض أفراد عائلته أو زوجته. يعمل في المكتبات التي شملها المسح ما مجموعه أكثر من 200 موظف، منهم بدوام جزئي، بمتوسط موظفين إثنين (2) لكل مكتبة، مع فروقات شاسعة بين المكتبات، فواحدة منها تستخدم 25 موظفا و21% من المكتبات تكتفي بموظف واحد فقط.
على المكتبة، كأي مؤسسة أخرى تسعى إلى النجاح في الأسواق، أن تحدد الجمهور الذي تنوي التوجه إليه، والفئات التي من المحتمل أن ترتادها، وتأخذ في الإعتبار طبيعة محيطها والمؤسسات التربوية أو الصحية أو الرسمية أو التجارية الموجودة في هذا المحيط، مما يسمح لها بان تصوّب خدماتها وتلائم عرضها بما يؤمن جذب هذه الفئة أو تلك. يبدو أن غالبية المكتبات تأثرت فعلا في عرضها بالجمهور المحيط بها: تتوجه سبع مكتبات الى فئة خاصة جدا هم طلاب الحوزات، وواحدة حصرت تخصصها بجمهور الأطفال، بينما دفع وجود مدرسة في المحيط المباشر 20 مكتبة إلى التوجه إلى السوق المدرسية، فتعرض الشنط المدرسية والقرطاسية إلى جانب الكتب المدرسية التي تشكل أكثر من ثلثي الكتب المعروضة فيها.
لا تتطلب تجارة الكتب المدرسية احترافا معينا، وتقتصر على تأمين الكتب المذكورة في اللوائح المدرسية. ومن المؤسف أن هذه المتاجر لم تحاول أن تعرض على التلاميذ كتبا عامة أو روايات وكتبا مصورة، لقراءة ترفيهية، بعيدا عن المنهاج الدراسي، مما يؤسس لعادة المطالعة. تحقق هذه المكتبات الجزء الأكبر من أرباحها في بداية السنة الدراسية، أما باقي السنة، فتكتفي بتجارة متواضعة للحاجيات الأساسية المطلوبة من التلاميذ، كالدفاتر والاقلام مثلا، فتغيب عنها الكتب بجميع أنواعها، بما فيها كتب المطالعة المساعدة والمكملة للمنهاج الدراسي وكتب المطالعة المفروضة خلال العطلة.
من الطبيعي والنظام التعليمي اللبناني ثلاثي اللغة أن تعرض 75% المكتبات كتبا في اللغات الثلاث، مع غلبة للغة العربية في 60% من المكتبات. وتتوزع اللغات على النحو التالي: 58% من الكتب المعروضة في المكتبات باللغة العربية، 24% باللغة الفرنسية و15% بالغة الانكليزية. والكتب الدينية هي الغالبة في 26% من هذه المكتبات، 2 في بيروت والأخريات في ضاحية بيروت الجنوبية. بينما يبدو أن اهتمام الجمهور بالكتب السياسية متساو بين المناطق المختلفة من بيروت وضواحيها، إذ تغلب الكتب السياسية على 17 % من المكتبات والنسبة موزعة بالتساوي بين المناطق، وكذلك الروايات التي تغلب على المعروض في 14% من المكتبات دون فرق يذكر بين منطقة وأخرى.
ونظرا الى ضعف سوق الكتاب، تعتمد 77% من المكتبات على تجارات أخرى، فتنوّع نشاطها، بين بيع القرطاسية (67%)، ونسخ المستندات (59%) وبيع الجرائد (58%)، والألعاب (35%) والإلكترونيات (16%). ولا تحظى التسجيلات الموسيقية إلا باهتمام 6% من هذه المتاجر، فهذه التجارة تراجعت عالميا بسبب منافسة المتاجر الكبرى والأنترنت. ومن السلع الأخرى المتوافرة ما ليس له أي علاقة بالكتاب أو الكلمة أو الثقافة، كبطاقات اللوتو (7%) وخدمة صب المفاتيح (7%) والعطورات والهدايا والساعات وحتى الخضار(1) !! فيصبح الكتاب في هذا الإطار نشاطاً ثانويا، وقد تبين في 33% من المكتبات أن الكتاب لا يشكل أكثر من 50% من السلع المعروضة، بل أنه ما دون ربع المعروض في حال 18% منها (و25% هو الحد الأدنى المتواضع الذي حددته نقابة أصحاب المكتبات للانتساب إليها).
ولا يسعى صاحب المكتبة دائما إلى ترتيب متجره وتجميله ليجذب الرواد إليه: 34% فقط من المكتبات اعتبرها الطلاب الذين زاروها مريحة وجذابة. فكيف يروّج للمطالعة في مكتبات كئيبة، معتمة، غير منظمّة؟ واذا كان دور المكتبة الأساسي هو الترويج للكتب الجديدة، فهناك أساليب متنوعة يمكن أن تعتمدها، ومن أهمها عرض الكتب في الواجهات بطريقة جميلة تلفت النظر وتحفزّ المارة للدخول إلى المكتبة والتجول بين طاولاتها ورفوفها. فقط 31% من المكتبات اعتبرها الوسيلة الأساسية للترويج، وتعمد 14% إلى تغيير محتواها لعرض الجديد بصورة أسبوعية أو كل اسبوعين. ولكن وتيرة تغيير المحتويات غير منتظمة ومتباعدة في 45% من الحالات! وبعض المكتبات لا تغير الواجهة الا مرة كل شهرين (6 حالات) أو شهريا (20 مكتبة)، فلا يمكن أن تثير اهتمام المارة المترددين إلى المكان. ولا تستخدم إلا 33% من المكتبات طاولات مسطحة لعرض الكتب لتسهّل على الروّاد الاطلاع على الأغلفة وتصفّح الكتب. أما غيرها من أساليب الترويج كالنشاطات داخل المكتبة من قراءة القصص للأولاد أو تنظيم حفلات توقيع كتب، التي تجذب الرواد، فلا تقوم بها إلا 20% من المكتبات. ونادرة هي المكتبات التي تقوم بمبادرات تجاه الجمهور كعرض الكتب المناسبة في الندوات والمدارس مثلا، أو إرسال لوائح بآخر الكتب المتوافرة لديها عبر البريد الكتروني.
يمكن لمكتبة البيع والمكتبة العامة أن تتعاونا لترويج الكتب وترسيخ عادة المطالعة. فكلتاهما وسيط ضروري ومتكامل بين منتج الكتاب ومستهلكه. تعمل المكتبات العامة على إدماج الكتاب في الحياة اليومية لبيئة معينة، ومن الضروري أن تنسق نشاطاتها مع مكتبة البيع، وإلا فما معنى أن تروج المكتبة العامة لكتب إذا لم تكن هذه متاحة في المحيط المباشر لروّادها ؟ لذلك يتوقع من المكتبة العامة أن تعلم مسبقا مكتبة البيع بروزنامة نشاطاتها كي تؤمن الاخيرة نسخا من الكتب التي يدور حولها النشاط، ونسخا عن أعمال المؤلفين الذين تستقبلهم المكتبة العامة. وللأسف فإن المؤسستين لا تنسّقان بينهما إلا في حالات معدودة، ونادرا ما تنظّم نشاطات مشتركة بينهما. على سبيل المثال، ينظم "بيت الكتاب"، الناشط في مجال ترويج الكتاب، وبالتعاون مع نقابة أصحاب المكتبات، معرضا لكتب الاطفال متجولا في القرى اللبنانية، وهو يحاول أن ينسّق نشاطه مع مكتبات البيع الموجودة في هذه القرى، فيضع لديها نسخا من الكتب المعروضة، علها تستجيب لرغبة زوار المعرض في شرائها، لكن التجربة بقيت محصورة في موسم المعرض ولم تؤسس لتعاون دائم، ولم تنجح في تحفيز هذه المكتبات على تأمين مخزون من كتب الاطفال.
ما زالت مكتبات البيع في لبنان بحاجة الى تطوير ممارساتها واحتراف عملها وتنشيط خدماتها كي تتحول إلى فاعل في تنمية قطاع الكتاب. أما في حالتها الراهنة، فيمكن اعتبارها الحلقة الأضعف في سلسلة إنتاج الكتاب وتوزيعه، إذ يغيب الاحتراف المطلوب للقيام بالإرشاد والتعريف بالإنتاج المحلي والعالمي وتحفيز الطلب. كما أن المنافسة التي تواجهها من قبل أقرب الناس إليها، وهم الناشرون أنفسهم، ومن المدارس التي تتحول موسميا إلى بائعي كتب، تهددها بالإفلاس. فلا بد لسياسة الكتاب والمطالعة في لبنان أن تدعم عمل مكتبات البيع وتعمل على تنظيم المنافسة وتشجيع التعاون بينها وبين المكتبات العامة التي تم إنشاؤها ودعمها منذ ثماني سنوات تقريبا، لزيادة الطلب على الكتاب وتأسيس عادة اقتنائه وقراءته.
نشكر الاستاذ ميشال شويري على مساعدته في وضع اسئلة الاستمارة وللمعلومات القيمة التي قدمها عن واقع هذه المهنة.
البقاع يسأل: بماذا تفرق حرب تموز عما سبقها أو تلاها؟
مادونا سمعان
البقاع اللبناني:
و«مررت أمس على البقاع أستطلع أهله عن الحال».. بعد حرب تموز. هدمت البيوت وتصدّعت، وغاب العديد من الأحبة والأهل والأصدقاء والأقارب… ولم يبق من الجسور إلا تلك التي لم تعد تصلح أصلا للربط بين منطقة وأخرى.
مررت على البقاع أسأل عن آثار بقيت على الأرض وفي النفوس. أبحث عن بشرى التي خسرت عائلتها، وعن طاهرة التي استشهد زوجها المقاوم. أعاين علي النهري وشمسطار وطاريا… وبريتال التي استشهدت فيها شابة وهي حامل بالحياة، وعائلة امتزجت أشلاؤها بركام المنزل وامتزج صراخها بقرقعة الحديد ساعات الإنقاذ.
أسأل عن آثار ثلاثة وثلاثين يوما من القصف والخوف والتهجير، وعن الحياة التي تلتها، وقد مرّت ثلاث سنوات…
أبحث عن بقايا مشاهد، بين مشاهد أخرى معهودة في المحافظة الخضراء: رحلات تبدأ مع الصباح عند متاجر الألبان والأجبان. و«القلب» زحلة ينبض بروتين الإدارة في المصارف والمتاجر والقصر العدلي وسراياه… ثم تأتي قطع «الداما» التي طالما شبّه بها سهل البقاع في كتب الجغرافيا. هناك حيث يسبح العمّال في بحر أخضر تكسر ثيابهم الزاهية الألوان رتابته بين الحين والآخر. فيما تعلو وتنخفض رؤوس مكلّلة بكومة قماش تحاول مقاومة لهيب الشمس.
تحتها، تضحك سمرة أصيلة والنظر ثاقب يحاول استكشاف الزائر وهدف الزيارة. مهما تكن، فنصيب من يلقي التحية عليهم «كمشة» من المحصول مجبولة بالتراب.
لدى اجتياز سلسلة الجبال الغربية، لا شيء يقفز إلى النظر سوى المشاهد «البقاعية» المعهودة باستثناء جسر المديرج الذي لم تلتئم أجزاؤه بعد. تمرّ تباعا على بعض من المصانع التي نالت نصيبها من الصواريخ الإسرائيلية ومنها مصنع الموسوي للحديد و«liban lait " وغيرهما… لكنهما ليسا الوحيدين بالطبع. فلائحة المتضررين من أصحاب الصناعات والزراعات وحتى المرافق السياحية التي مازالت تحتفظ بها غرفة الصناعة والتجارة في زحلة طويلة. سجلّ عليها 262 اسما من متضررين ومطالبين بالتعويضات عن خسائرهم الزراعية، و62 مصنعا (كبيرا وصغيرا) تضررت مباشرة و56 مؤسسة مختلفة تطالب بالتعويض عن أضرارها غير المباشرة. كانت أجزاء اللائحة مبعثرة «لأنها تنقل من مكان لآخر» بحسب أحد المسؤولين في الغرفة وقد حصلوا عليها من خلال عملهم التطوعي في تلقي شكاوى المتضررين. ولم يترجم عملهم على أرض الواقع لا سيما أن «الهيئة العليا رفضت جزءا من المسح الذي أقيم على أساس أنها ستقوم هي بمسح الأضرار» يضيف المسؤول نفسه.
هكذا بقيت الأضرار ركاما فوق حطام، أو حبرا على ورق، والورق يضيع من أيدي أصحابه بين الحين والآخر، لأن الغرفة انتقلت إلى دورة أعمالها العادية ولأن موضوع حرب تموز بكافة أضرارها أصبح من الماضي. وهكذا يمكن القول ان تلك اللائحة لم تسجّل الّا للتاريخ أو لغرض ما في المستقبل، هو حتما ليس لمعاينة الأضرار أو التعويض عنها.
ويضيف المسؤول أن «المحظوظين» من أصحاب الصناعات الذين تم التعويض عنهم «قلائل» لا بل نادرين. أما المزارعين فلم يشملهم حتى ترف المعاينة. وقد منيوا بخسائر فادحة أيام الحرب ما زالوا يحاولون محو آثارها المادية. وقد اضطروا إلى الاستدانة للتعويض عن كساد المحصول وتلفه في ذاك العام.
والحال على ما هي عليه منذ العام 2006، لا نيّة للدولة في التعويض، ولا يوجد متضررون يؤمنون بجدوى متابعتهم لملفاتهم.
والنتيجة صناعات أقفلت، بعض منها كانت مصدّرة، ومزارعون يخافون من التخلي عن الزراعة لأن لا شيء آخر يفعلونه.
أما بالنسبة للمرافق السياحية، فيشهد هذا العام إعادة إحياء لبعض منها بعد الخسائر التي تكبّدتها في العام 2006 ليس بفعل القصف فحسب بل بفعل توقف أعمالها لخلوها من الزبائن والعمّال.
الخلاصة، خسر البقاع صناعاته وقطاعه الزراعي فيما يحاول استعادة صورته السياحية.
لكنّ حرب تموز ليست سوى محطة في تاريخ البقاع لا الشرقي ولا الغربي ولا الأوسط، هي مرحلة من مراحل الحرمان والبؤس اللذين يعيشانهما أهله. لهذا يفاجئ السؤال عن حرب تموز وذيولها أهله.
وأسئلة من طراز هل أعدتم البناء؟ ومن عوّض عليكم؟ وكيف الحال اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على الحرب؟ تستدعي إلى اجابات بغبائية «نحاول إعادة البناء، بالطبع لم يعوّض علينا أحد والحال بعد الحرب مثله قبلها».
لا يخفي الحاج محمود من النبي شيت أن البعض ظنّ الحرب «مصيبة قوم عند قوم فوائد» معتبرا أنه عبر التعويض عن الأضرار يمكن أن يعيد بناء منزله بشكل أفضل. وانتظر أن تدفع فظاعة الحرب الدولة إلى الالتفات ولو قليلا إلى المنطقة. ولعلّ هؤلاء عادوا واستدركوا أنهم يعيشون في البقاع حيث تحجب الجبال حضور «الدولة».
لكن، وبحسب حديث بعض الأهل هناك، يبدو أنها مرّت ذات يوم بعد انتهاء الحرب. وقد رأوا فيها راعية لإعادة الإعمار فإذ بها تبحث في كومة الركام عن معيق لقبولها هذا الملف أو ذاك. أمّا الحجّة الأبرز «لا يمكن التعويض عن أرض مشاع غير مفروزة».
ملاحظة معظم أراضي البقاع مشاع، ولم تخضع للفرز.
بناء عليه يعيد علي شكر بناء عمارته وأخوته على نفقته الخاصة وبالدين، بعد أن استشهد والده وتهاوى مبنى العائلة الذي كان يحوي على متجر للثياب. أما البلدة فلملمت جراحها بعد أن استعادت بنيتها التحتية بفضل البنك الدولي وإيران وبلديتها.
في النبي شيت، تعيش بشرى شكر التي خسرت أمها وأشقائها الأربعة، وقد تزوجت وتنتظر مولودة أنثى. هي اشتاقت لهم لكنها تراهم في الأحلام، لا سيما حين تحزن. وتزور أضرحتهم أكثر من مرتين في الأسبوع فيما تحوّل ركام المنزل الذي هوى عليهم إلى روضة وحديقة للأطفال رفعت فوقها صور الشهداء الخمسة.
في البلدة أيضا تقطن طاهرة الموسوي التي استقبلت زوجها المقاوم حسام شهيدا بعد انتهاء الحرب، وألقت برأسها على نعشه وهي حامل بشهرها الخامس. استقبلت الشهادة بصدر رحب بينما كانت الحياة تملأ أحشاءها. ها هي اليوم ترى مولودها علي الرضا بأم العين وهو «صورة طبق الأصل عن والده الشهيد كأنه رحل وترك لي نسخة عنه» تقول. هي أيضا تزوجت من شقيق حسام.
تشبه قصص النبي شيت قصصا أخرى في البقاع حيث صور الشهداء ما زالت مرفوعة وحيث آثار العدوان مازالت بادية وحيث الأمل بالتفاتة واحدة من الدولة مفقود.
يختصر عضو المجلس الإقتصادي محيي الدين الجمال الوضع عموما فيشير إلى أن «الصناعة ضربت بالكامل ولم يستعد الا عشرين في المئة منها نشاطه. فيما لم يتم التعويض على المزارعين. وقد ارتفعت البطالة بشكل ملحوظ…» ومع غياب الأرقام التي لا معنى لها طالما أن الحالة مستشرية وتطال المحافظة بلدة بلدة، وقرية قرية يعتبر الجمال أنه من « المعيب الحديث عن ذيول لحرب تموز 2006 وقد مرّ عليها ثلاث سنوات».
قد يصحّ هذا التعليق في أي من الدول المتقدمة لكن ليس في لبنان، وحتما ليس في البقاع. وحال تردي الزراعة لا تعود إلى الحرب فقط، إذ تطلق عليها رصاصة الرحمة مع تخفيض تقديمات مشروع «اكسبورت بلاس» إلى الستين في المئة، بحسب رئيس نقابة مزارعي البطاطا جورج الصقر الذي يعتبر أنه «حين يكون المصدّر بخير يكون المزارع بخير». في حين يلفت نزيه البقاعي صاحب شركة لبيع الأسمدة أن «الزراعة في البقاع هي الأغلى في العالم لما يتكبده المزارع من مصاريف باهظة في المحروقات واليد العاملة وإيجار الأرض».
مررت أمس على أرض البقاع أحاول رصد آثار حرب تموز، فإذ بها تضيع بين آثار بؤس وحرمان أخرى، لم تصنعها إسرائيل بل إنها صنعت في لبنان.
هناك حيث يلهث الناس وراء لقمة العيش، لم يبق لهم الا الله والطائفة. فزعماء الصف الأول ليسوا بحاجة إليهم لاكتساب حقوق مدنية لهم كفعل يقومون به من باب استعراض عضلاتهم السياسية.
من البقاع، تبدو بيروت بعيدة. تحجبها الجبال الشبيهة بجدران حصينة، وكأن ما من جسور تربط بين العاصمة وبين الداخل.
أو ربما ما من باب تمرّ عبره المنطقة التي يمكن أن تكون الأخصب زراعيا وصناعيا وحتى سياحيا إلى «الدولة» بعديدها وعتادها…
وحده القانون يطير ويتسلل، خارقا بين الحين والآخر محاولات التفاف على القواعد العامة، وقد نسي من يدفع به إلى هناك أنه يقوم على أساسين: حقوق وواجبات… فإذا أخلّت الدولة اللبنانية بواجباتها من أين يمكن تحصد الحقوق؟

شاطئ جبيل ملك خاص
المخالفات تشمل كل القوى السياسية في المنطقة
115مخالفة على الأملاك البحرية عند شاطئ جبيل، بدأت وزارة الأشغال العامة محاولة لإزالة ما استجدّ منها، إلا أن حملة سياسية منظّمة انطلقت لمنع نجاح هذه المحاولة، إذ عدّها رئيس حزب السلام روجيه إده موجهة ضد رئيس الجمهورية لتصفية حسابات الانتخابات!
رشا أبو زكي
تعديات تصل قيمتها إلى ملايين الدولارات، هضم لحقوق المواطنين في الوصول إلى الشاطئ من دون عوائق مادية أو إسمنتية، والأهم غطاء سياسي ضخم يحمي السارقين من إعادة أملاك الناس العامة… إلى الناس… هكذا يمكن اختصار حال الشاطئ اللبناني! وشاطئ جبيل المشهور بجماله ليس استثناءً، لا بل أصبحت التعديات الضخمة على رماله موضع تجاذب سياسي، أما الوقائع، فتفيد أن عدد المخالفات التي تنهش شاطئ جبيل وصل إلى 115 مخالفة وفق مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبناني، وتراوح هذه المخالفات بين البناء السكني والشاليهات الخاصة (66 مخالفة)، والمشاريع السياحية (34 مخالفة)، و15 مخالفة بين المشاريع السياحية والسكن ومواقف السيارات… إلا أن حجم هذه المخالفات يتمدّد، إذ يشير المدير العام للنقل عبد الحفيظ القيسي إلى أنّ المخالفات كثيرة على شاطئ جبيل، وقد زادت كثيراً، لافتاً إلى أنّه أُرسل كتاب عاجل إلى المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي للإيعاز إلى كلّ أصحاب المنتجعات بإظهار حدود عقاراتهم، ولفت في حديث لـ«الأخبار» إلى أن المديرية أرسلت إنذارات أمس إلى أصحاب المنتجعات الذين تعهّدوا إزالة كل أنواع المعوقات والمخالفات الإضافية أمام الشاطئ خلال أيام… إلا أن هذا التحرك، الذي لا يشمل خصوصاً التعديات الأساسية على الأملاك البحرية، بل يكبح تمدد هذه التعديات، قوبل بهجمة قوية من أصحاب المنتجعات السياحية، تداخلت فيها السياسة بالمصالح الشخصية، تحت غطاء الدفاع عن «الموسم السياحي»!
تحركات متواصلة
فقد بدأ نواب كتلة التغيير والإصلاح في جبيل (عباس هاشم ووليد خوري وسيمون أبي رميا) في الأسبوع الماضي حملة منسّقة مع بلدية جبيل ومديرية النقل في وزارة الأشغال لإلزام أصحاب المنتجعات تحديد حدود منتجعاتهم على الشاطئ «بسبب شكاوى من عدد من المواطنين منذ نحو أسبوعين عن إشكالات لمواطنين مع الأمن الخاصّ لبعض المنتجعات السياحيّة»، بحسب أبي رميا…
والمعلوم أن أكثر من 115 مخالفة على شاطئ جبيل ارتكبها أشخاص من مختلف الألوان السياسية، وبينهم عدد من المخالفين في التيار الوطني الحر منهم شارل كنعان الذي تعدى في منطقة عمشيت على مساحة 992 متراً مربّعاً، إلّا أن مالك منتجع «Edde Sands» روجيه إدّه الذي تعدى على العقار 42 البالغة مساحته 2578 متراً مربعاً على شاطئ جبيل، وتسمية مخالفته بحسب دراسة مديرية الشؤون الجغرافية في الجيش اللبنانية هي «بناء شاطئ ومصاطب»… عدّ حملة كتلة التغيير والإصلاح موجّهة ضده، وضد من دعم اللائحة التي كانت محسوبة على رئيس الجمهورية في جبيل، معتبراً أن استثماره السياحي مرخّص من وزارة السياحة، كما يحصل سنوياً على تراخيص من وزارة الأشغال العامة مثل سائر المجمعات السياحية على الشاطئ اللبناني، ورأى أن كل ما عدا ذلك هو مجرد حملة تتوخّى ضرب المشاريع في جبيل، مؤكداً مضيّه في المشاريع الإنمائية التي تفرز فرص العمل والتوظيف في المنطقة. كما أشار وفد من نقابتي أصحاب الفنادق والمجمعات البحرية برئاسة النقيبين بيار أشقر وجان بيروتي، ووفد يمثل أصحاب المجمعات السياحية والبحرية في منطقة جبيل في لقاء مع وزير السياحة إيلي ماروني أمس، إلى الضغوط التي يمارسها بعض السياسيين لإعاقة عمل المؤسسات في أوج الموسم السياحي…
إلا أن هاشم أكد أن تحرك الكتلة غير مرتبط بالانتخابات ولا بأي خلفية سياسية، بل جاء نتيجة اتصالات من عدد كبير من المواطنين يشكون فيها من عدم قدرتهم على الوصول إلى شاطئ جبيل، بسبب عوائق يضعها أصحاب المنتجعات خارج حدود منتجعاتهم، لافتاً إلى أن هذا التحرك بدأ منذ ثلاث سنوات، ولا يزال مستمراً، وفي 3 كانون الأول من عام 2008 وضعت وزارة الأشغال العامة والنقل والسلطات الأمنية وبلدية جبيل محضراً لتنظيم العلاقة بين أصحاب المنتجعات والبلدية والمواطنين، لافتاً إلى أن أصحاب المنتجعات لم يلتزموا بنود هذا المحضر. وأشار هاشم إلى أن «أحدهم» صرّح بأن حملة إزالة المخالفات عن الشواطئ البحرية في جبيل، موجهة ضد من دعم لائحة الرئيس ميشال سليمان في المنطقة، سائلاً «هل يجوز إقحام مقام الرئاسة بمحاولة وزارة النقل تطبيق القوانين؟ وهل يمكن من يدعي دعم الرئاسة مخالفة القوانين تحت هذا الشعار؟». لافتاً إلى أن الحملة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحقوق الطبيعية للمواطن اللبناني. وعن وجود أشخاص في التيار الوطني الحر يتعدّون بدورهم على الأملاك البحرية في جبيل، أكد هاشم أن الجميع تحت القانون، ولا استثناء لأحد «حتى لو كان أخي»، لأن الموضوع هو موضوع حقوقي وقانوني وخارج نطاق كل الفنون السياسية.
وعلى الرغم من المخالفات التي تنهش شاطئ جبيل، نفى رئيس اتحاد بلديات جبيل فادي مارتينوس «وجود أيّ مخالفات بحرية إن كانت منشآت على البحر أو أبنية». وأكد في حديث لوكالة الأنباء المركزية أن شاطئ جبيل هو من أقل الشواطئ التي تشهد تعديات، على عكس ما يُقال ويُشاع، وأن التعديات الحاصلة موثّقة ويمكن مراجعتها في الشؤون الجغرافية في قيادة الجيش. (علماً بأن شاطئ جبيل يشهد ثاني أعلى معدل في محافظتي جبل لبنان وبيروت بعد كسروان التي يعاني شاطئها من 152 مخالفة، بحسب دراسة الشؤون الجغرافية نفسها).
وفي هذا الإطار، يؤكد القيسي وجود بعض المخالفات من أصحاب المنتجعات السياحيّة والتعدّيات على الأملاك العامّة، مشدداً على أنّ المديريّة تملك خرائط موثّقة عن المخالفات القديمة للمنتجعات منذ سنة 1993، لافتاً إلى أنه سيُمنع وضع أيّ سرير أو كرسيّ على الشاطئ العامّ، داعياً أصحاب المنتجعات إلى الالتزام بحدود عقاراتهم الخاصّة، لأنّ الدولة اللبنانيّة هي التي تملك الأملاك البحرية، وبالتالي لا تقبل أن يتعدى أحد على أملاكها، مشدّداً على أهميّة تفعيل السياحة ضمن إظهار الوجه الحضاري للبنان السياحيّ. وشدد على أن عدم الالتزام ببلاغات الأمن لأصحاب المنتجعات، سيعرّض المخالفين للتبعات القانونية اللازمة، لافتاً إلى أن «البعض» رأى أن الحملة إعلامية، «لكننا لا نقوم بحملات إعلامية بل نطبّق القانون والنظام، ونقطة على السطر».
———————————
اتفاق عام 2008
ينص الاتفاق على نزع أصحاب المنتجعات السياحية الحواجز لضمان تواصل الشاطئ ضمن مسافة 10 أمتار من الموج، وذلك بعدم وضع كراسيّ أو مظلات. ضمان بلدية جبيل حق التنقل للرواد على الشاطئ وإقامة حاجز توقيف على مدخل الشاطئ الرئيسي لكونه المدخل الوحيد. بانتظار صدور قانون تسوية المخالفات على الأملاك البحرية ودفع أصحاب المنتجعات ما يترتب عليهم، يبقى الوضع على حاله من دون زيادة أي تعديات.
—————————————
98640 متراً مربعاً
هي التعدّيات «المرخّصة» على شاطئ جبيل، فترة ما قبل عام 1975 حتى عام 1990. وبعد عام 1991 عمدت الحكومات المتعاقبة إلى منح عدد من التراخيص في جبيل إلى 12542 مليون متر مربع.
————————————–
107765 متراً مربعاً
هو حجم المساحات المشغولة عند شاطئ جبيل على نحو غير قانوني. وتشمل التعديات الشاطئ المواجه للبربارة والمنصف والريحانة وعمشيت وقرطبون ومستيتا وحالات ومدينة جبيل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج




























حياتنا تناشد الجميع مقاطعة المواقع والفضائيات المشهورة بدس الأضاليل وإثارة الفتن